إن كلمة"شراب"إذا سمعناها فإننا نفهم منها الرِّي . ولكن الحق هنا يتبع كلمة"شراب"بتحديد مصدر هذا الشراب ، إنه"من حميم"ليحدث ما يُسمى"انبساط"و"انقباض"؛ فالشيء الذي يسرّ الإنسان تنبسط له النفس . والشيء الذي يحزن الإنسان تنقبض له النفس . ولو أن الأمر المحزن جاء بداية في هذا القول الكريم لانقبضت النفس في المسار الطبيعي ، لكن الحق شاء أن يأتي أولاً بكلمة من يسمعها تُسر نفسه وهي"شراب"ثم تبعها بما يقبض النفس"من حميم"ليكون الألم ألمين: ألم زوال السرور ، وألم مجيء الحزن .
ويصور القرآن في موضع آخر هذه الصورة فيقول: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه ...} [الكهف: 29] .
وتنبسط النفس حين تسمع الجزء الأول وهو: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ} ولكنها تنقبض فور سماعها {بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه} .
وصورة أخرى عندما يقول الحق: {... فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] .
وتنبسط النفس - كما علمنا - حينما تسمع خير البشارة ؛ لأن البشارة تأتي للأمر المفرح ، وتنقبض عندما تعلم أن البشارة هي بالعذاب الأليم . إذن فقد جاء الحق بالانبساط ، وجاء بالانقباض . وهذه سنة من سنن الله في التأديب . ومثال على ذلك: عندما يرتكب إنسان مظالم كثيرة ، وتفاقم واستفحل شره ويريد الله أن ينتقم منه ، إنه سبحانه لا ينتقم منه وهو على حاله الطبيعي ، إنما يرفع الحق - سبحانه - هذا الظالم إلى درجات عالية ثم يخسف به الأرض .
ولذلك يقول الحق: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ...} [الأنعام: 44] .