{وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ} . وعباده من مادة العين والباء والدال ، ومفردها"عَبْد"، وجمعها يكون مرة"عبيداً"وأخرى"عِبادا". و"العباد"هم المقهورون لله فيما لا اختيار لهم فيه ، وهم أيضاً المنقادون لحكم الله فيما لهم فيه اختيار ؛ لأن الإنسان مقهور في بعض الأمور ولا تصرف له فيها: لا تصرف له في نَفَسه ، ولا تصرف له في نبضات قلبه ، ولا تصرف له في حركة المعدة ، ولا تصرف له في حركة الأمعاء ، ولا تصرف له في حركة الحالبين ، ولا تصرف له في حركة الكُلْيَة ، وكلها مسائل تشمل المؤمن والكافر ، والكل مقهور فيها .
إن من رحمة الله أننا مقهورون فيها ولا رأى لنا ؛ لأنه لو كان لنا رأي في مثل هذه الأمور لكان لنا أن نسأل: كيف ننظم عملية تنفسنا في أثناء النوم؟ . إذن فمن رحمة الله أن منع عنا الاختيار في بعض الأمور التي تمس حياتنا . ومن رحمة الله أن كلاًّ منا مقهور فيها ، فمن يستطيع أن يقول لمعدته: اهضمي الطعام؟ ومن يستطيع أن يأمر الكلى بالعمل؟!! .
إذن فكل أمر مقهور فيه الإنسان ، هو فيه منقاد لله ولا اختيار له . أما الأمر الذي لك فيه اختيار فهو مناط التكليف . ولذلك لا يقول لك المنهج:"افعل"إلا وأنت صالح ألا تفعل ، ولا يقول لك"لا تفعل"إلا وأنت صالح أن تفعل .
إذن الأمور الاختيارية هي التي وردت فيها"افعل"و"لا تفعل". وهي الأمور التي فيها التكليف . ومن يطع ربنا في منهج التكليف يصبح وكأنه مقهور للحكم ، ويكون ممن يسميهم الله"عباداً"، فكأنهم تنازلوا عن اختيارهم في الأحكام التكليفية ، وقالوا: يارب لن نفعل إلا ما يريده منهجك .