والقاهر هو المتحكم بقدرة شاملة على المقهور . وانظر أي تقابل في الحياة تجده مديناً وخاضعا لصفة القهر . {وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ} وكلمة"فوق"تقتضي مكانية . ولكن المكانية تحديد ، وما دام القهر يتطلب قدرة فهل يعني ذلك أن القادر لا بد أن يكون في مكان أعلى؟ لأننا نجد - على سبيل المثال ولله المثل الأعلى - من يضع قنبلة تحت العمارة العالية ويقهر من فيها . إذن فالقهر لا يقتضي الفوقية المكانية ، إذن فالفوقية المرادة هي فوقية الاستعلاء ، ونحن عندما تكلمنا عن الحق سبحانه وتعالى أوضحنا أن نلتزم بإطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فهو ذات لا ككل الذوات . وصفاته ليست ككل الصفات ، وكذلك نأتي ونقول في فعله ، وعلى سبيل المثال نجد خلق الله يحتاجون إلى زمن ويحتاجون إلى علاج ، وكل جزئية من الفعل تحتاج إلى جزئية من الزمن ، لكن هو سبحانه إذا فعل أيحتاج فعله إلى زمن؟ لا ؛ لأنه لا يفعل بعلاج ، ولا يجلس ليباشر العملية ، إنما يفعل سبحانه ب"كن"، إذن القهر في قوله: {وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ} هو قهر الاستعلاء .
ولذلك يقول لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة لآخر رمضان".
ففي آية ليلة ينزل فيها الله؟ ليلتك أم ليلة المقابل لك؟ أم الليلة التي تشرق الشمس فيها في مكان ، وتغيب عن مكان آخر؟ إذن ، فكل واحد من المليون من الثانية ينشأ ليل وينشأ نهار ، وهكذا نعلم أن الله معك ومع غيرك ، باسطا لك ولغيرك يده . {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] .
لذلك لا تفهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها". لا تفهم ذلك بتخصيص ليل معين أو نهار معين ؛ لأن يده مبسوطة في كل زمان وفي كل مكان وليس كمثله شيء .