وهذه من معجزات القرآن فإنّ الله علِمَ ما يعتقده الفلاسفة وعلم أنْ سيقول بقولهم من لا رسوخ له في الدين من أتباع الإسلام فلم يترك للتأويل في حقيقة علمه مجالاً ، إذ قال: {وما تسقط من ورقة إلاّ يعلمها ولا حبَّة في ظُلمات الأرض} كما سنبيّن الاختيار في وجه إعرابه.
والمراد بالورقة ورقة من الشّجر.
وحرف (مِنْ) زائد لتأكيد النفي ليفيد العموم نصّاً.
وجملة {يعلمها} في موضع الحال من {ورقة} الواقعة في حيِّز النفي المستغنية بالعموم عن الصفة.
وذلك لأنّ الاستثناء مفرّغ من أحوال ، وهذه الحال حال لازمة بعد النفي حصل بها مع الفعل المنفي الفائدة الاستثناء من عموم الأحوال ، أي ما تسقط من ورقة في حالة إلاّ حالة يعلمها.
والأظهر في نظم قوله: {وما تسقط من ورقة} أن يكون {ورقة} في محلّ المبتدأ مجرور بِ {منْ} الزّائدة ، وجملة {تسْقط} صفة ل {ورقة} مقدّمة عليها فتُعرب حالاً ، وجملة {إلاّ يعلمها} خبر مفرّغ له حرفُ الاستثناء.
{ولا حبّة} عطف على المبتدأ بإعادة حرف النفي ، و {في ظلمات الأرض} صفة ل {حبّة} ، أي ولا حبّة من بذور النبت مظروفة في طبقات الأرض إلى أبعد عمق يمكن ، فلا يكون {حبَّة} معمولاً لفعل {تسقط} لأنّ الحبَّة التي تسقط لا تبلغ بسقوطها إلى ظلمات الأرض.
{ولا رطبٍ ولا يابس} معطوفان على المبتدأ المجرور بـ {من} .
والخبر عن هذه المبتدآت الثلاثة هو قوله: {إلاّ في كتاب مبين} لوروده بعد الثلاثة ، وذلك ظاهر وقُوع الإخبار به عن الثلاثة ، وأنّ الخبر الأول راجع إلى قوله: {من ورقة} .
والمراد بالكتاب المبين العلم الثابت الذي لا يتغيّر ، وما عسى أن يكون عند الله من آثار العلم من كتابة أو غيرها لم يطلعنا على كنهها.
وقيل: جرّ {حبَّة} عطف على {ورقة} مع إعادة حرف النفي ، و {في ظلمات الأرض} وصف ل {حبّة} .