ومعنى: {لا يعلمها إلاّ هو} أي علماً مستقلاً به ، فأمَّا ما أطْلع عليه بعضَ أصفيائه ، كما قال تعالى: {عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحداً إلاّ مَن ارتضى مِن رسول} [الجن: 26] فذلك علم يحصل لمن أطلعه بإخبار منه فكان راجعاً إلى علمه هو.
والعلم معرفة الأشياء بكيفية اليقين.
وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر أنّ رسول يالله صلى الله عليه وسلم قال: {مفاتح الغيب خمس: إنّ الله عندَه علمُ الساعة ، ويُنزّل الغيث ، ويعلَم ما في الأرحام ، وما تدري نفس مَاذا تكسب غداً ، وما تدري نفس بأي أرض تموت إنّ الله عليم خبير} .
وجملة: {ويعلم ما في البرّ والبحر} عطف على جملة {لا يعلمها إلاّ هو} ، أو على جملة {وعنده مفاتح الغيب} ، لأنّ كلتيهما اشتملت على إثبات علم لله ونفي علم عن غيره ، فعُطفت عليهما هذه الجملة التي دلَّت على إثبات علم لله تعالى ، دون نفي علم غيره وذلك علم الأمور الظاهرة التي قد يتوصّل الناس إلى علم بعضها ، فعطفُ هذه الجملة على جملة {وعنده مفاتح الغيب} لإفادة تعميم علمه تعالى بالأشياء الظاهرة المتفاوتة في الظهور بعد إفادة علمه بما لا يظهر للناس.
وظهور ما في البرّ للناس على الجملة أقوى من ظهور ما في البحر.
وذكر البرّ والبحر لقصد الإحاطة بجميع ما حوته هذه الكرة ، لأنّ البرّ هو سطح الأرض الذي يمشي فيه الحيوان غير سابح ، والبحر هو الماء الكثير الذي يغمر جزءاً من الأرض سواء كان الماء ملحاً أم عذباً.
والعرب تسمِّي النهر بحراً كالفرات ودجلة.
والموصول للعموم فيشمل الذوات والمعاني كلّها.
وجملة: {وما تسقط من ورقة} عطف على جملة: {ويعلم ما في البرّ والبحر} لقصد زيادة التعميم في الجزئيات الدقيقة.
فإحاطة العلم بالخفايا مع كونها من أضعف الجزئيات مؤذن بإحاطة العلم بما هو أعظم أولى به.