وَقَرَأَهُمَا بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْهُمَا جَمِيعًا، بِمَعْنَى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، ثُمَّ تَرْجَمَ بِقَوْلِهِ: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ} عَنِ الرَّحْمَةِ {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فَيَعْطِفُ (فَأَنَّهُ) الثَّانِيَةُ عَلَى (أَنَّهُ) الْأُولَى، وَيَجْعَلَهُمَا اسْمَيْنِ مَنْصُوبَيْنِ عَلَى مَا بَيَّنْتُ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنَ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ بِكَسْرِ الْأَلِفِ مِنْ (إِنَّهُ) وَ (فَإِنَّهُ) عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَعَلَى أَنَّهُمَا أَدَاتَانِ لَا مَوْضِعَ لَهُمَا.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُمَا بِالْكَسْرِ: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ إِنَّهُ) عَلَى ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ، وَأَنَّ الْخَبَرَ قَدِ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الْخَبَرُ عَمَّا هُوَ فَاعِلٌ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِمَنْ عَمِلَ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ مِنْهُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ} : أَنَّهُ مَنِ اقْتَرَفَ مِنْكُمْ ذَنْبًا، فَجَهِلَ بِاقْتِرَافِهِ إِيَّاهُ.
{ثُمَّ تَابَ} ، {وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ} لِذَنْبِهِ إِذَا تَابَ وَأَنَابَ وَرَاجَعَ الْعَمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَتَرَكَ الْعَوْدَ إِلَى مِثْلِهِ مَعَ النَّدَمِ عَلَى مَا فَرُطَ مِنْهُ.
{رَحِيمٌ} بِالتَّائِبِ أَنْ يُعَاقِبَهُ عَلَى ذَنْبِهِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ مِنْهُ.
عَنْ مُجَاهِدٍ: {مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ} قَالَ: «مَنْ جَهْلٍ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ حَلَالًا مِنْ حَرَامٍ، وَمِنْ جَهَالَتِهِ رَكِبَ الْأَمْرَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) }