وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} غَيْرُ الَّذِينَ نَهَى اللَّهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ طَرْدِهِمْ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا} خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ بَعْدَ تَقَضِّي الْخَبَرِ عَنِ الَّذِينَ نَهَى اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ طْردِهِمْ، وَلَوْ كَانُوا هُمْ لَقِيلَ: وَإِذَا جَاءُوُكَ فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، وَفِي ابْتِدَاءِ اللَّهِ الْخَبَرَ عَنْ قِصَّةِ هَؤُلَاءِ وَتَرْكِهِ وَصْلِ الْكَلَامِ بِالْخَبَرِ عَنِ الْأَوَّلِينَ مَا يُنْبِئُ عَنْ أَنَّهُمْ غَيْرُهُمْ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا: وَإِذَا جَاءَكَ يَا مُحَمَّدُ الْقَوْمُ الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِتَنْزِيلِنَا وَأَدِلَّتِنَا وَحُجَجِنَا فَيُقِرُّونَ بِذَلِكَ قَوْلًا وَعَمَلًا، مُسْتَرْشِدِيكَ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُمْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، هَلْ لَهُمْ مِنْهَا تَوْبَةٌ؟ فَلَا تُؤَيِّسْهُمْ مِنْهَا، وَقُلْ لَهُمْ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ: أَمَنَةُ اللَّهِ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ أَنَّ يُعَاقِبَكُمْ عَلَيْهَا بَعْدَ تَوْبَتِكُمْ مِنْهَا، {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}
يَقُولُ: قَضَى رَبُّكُمُ الرَّحْمَةَ بِخَلْقِهِ، {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدَنِيِّينَ: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا} فَيَجْعَلُونَ (أَنَّ) مَنْصُوبَةً عَلَى التَّرْجَمَةِ بِهَا عَنِ الرَّحْمَةِ، (ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) عَلَى ائْتِنَافِ (إِنَّهُ) بَعْدَ الْفَاءِ فَيَكْسِرُونَهَا وَيَجْعَلُونَهَا أَدَاةً لَا مَوْضِعَ لَهَا، بِمَعْنَى: فَهُوَ لَهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، أَوْ فَلَهُ الْمَغْفِرَةُ وَالرَّحْمَةُ.