وقال صاحب"النظم": دخلت (لا) في قوله: {وَلَا الضَّالِّينَ} لمعنى من المعاني، وهو أنها منعت من ميل الوهم إلى غير ما نظم عليه الكلام، وذلك أن قوله: {وَلَا الضَّالِّينَ} معطوف على قوله: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} وفي (غير) تأويل جحد، فدخلت (لا) على الضالين، ليعلم أنها معطوفة على (غير) ، ولو لم تدخل (لا) لاحتمل أن يكون قوله: (والضالين) منسوقا على قوله: (صراط الذين أنعمت عليهم والضالين، فلما احتمل ذلك أدخل فيه(لا) ليحسم هذا الوهم، وهو كما قال:
ما كان يرضى رسول الله فعلهم والطيبان أبو بكر ولا عمر
أدخل (لا) في قوله: (ولا عمر) ؛ لأنه لو لم يدخل لاحتمل أن يكون انقطاع القصة عند تمام قوله: (ما كان يرضى رسول الله فعلهم) ، ثم ابتدأ كلاما آخر على معنى المبتدأ وخبره، فيكون معناه حينئذ:(و الطيبان أبو
بكر وعمر)أي: أنهما هما الطيبان دون غيرهما. فلما دخلت (لا) علم أن عمر داخل في المعنى الذي أضيف إلى رسول الله من أنه لا يرضى فعلهم على تأويل، ولا يرضى - أيضا - فعلهم الطيبان أبو بكر وعمر.
وأما معنى (الغضب) من الله تعالى فهو إرادة العقوبة، وتسمى العقوبة غضبا على التوسع. وإنما لم يقل (المغضوبين) كما قال: (ولا الضالين) لأن كل فعل تعدى إلى المفعول بحرف الجر فإن جمعه وتثنيته وتأنيثه في المكنى المتصل بحرف الجر، كقولك: المأخوذ منه، والمأخوذ منهما، والمأخوذ منهم، والمأخوذ منهن. وكذلك تقول في: الممرور به، والمقعود عليه، والمتوجه إليه وما أشبهها.
والعلة فيه أن تمام الاسم عند ذكر المكنى، علامة التثنية والجمع والتأنيث تلحق آخر الأسماء عند تمامها. وقال النحويون: هذا وأمثاله بمنزلة الفعل المقدم، نحو قولك: (ضرب أخواك، وضرب إخوتك) . و (عليهم) في الموضع رفع، لأنه بمنزلة اسم ما لم يسم فاعله.
وقوله: {وَلَا الضَّالِّينَ} أصل الضلال في اللغة الغيبوبة، يقال: ضل الماء في اللبن إذا غاب، وضل الكافر: غاب عن المحجة. ومن هذا قوله تعالى: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} [السجدة: 10] أي: غبنا فيها بالموت وصرنا ترابا وعظاما فضللنا في الأرض، ولم يتبين شيء من خلقنا، ويقال: أضللت الشيء إذا غيبته، [وأضللت الميت إذا غيبته] في التراب ودفنته. وقال المخبل:
أضلت بنو قيس بن سعد عميدها ... وفارسها في الدهر قيس بن عاصم