القصد فهي معرفة. وكذلك لو عرف إنسان بأنه مثلك في ضرب من الضروب لقيل فيه: قد جاء مثلك، لكان معرفة، إذا أردت المعروف بشبهك، والمعرفة والنكرة بمعانيهما. ومن جعل (غير) بدلا استغنى عن هذا الاحتجاج، لأن النكرة قد تبدل من المعرفة)، انتهى كلام ابن السراج.
قال صاحب"الحجة": أما الخفض في (غير) فعلى البدل أو الصفة، والفصل بين البدل والصفة في قول سيبويه إن البدل في تقدير تكرير العامل، بدلالة حرف الجر في قوله سبحانه: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا
مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ فهو يفارق الصفة من هذا الوجه.
وأيضًا فإن النكرة تبدل من المعرفة، والمظهر من المضمر، وهذا مما لا يجوز في الصفة، لا يجوز وصف المعرفة بالنكره، ولا وصف المضمر بالظاهر.
وكما أعيدت اللام الجارة في البدل، فكذلك يكون العامل الناصب والرافع في تقدير التكرير. ويشترك البدل مع الصفة في أن كل واحد منهما تبيين للأول.
فمن جعل (غير) في الآية بدلا، كان تأويله بيِّنًا، وذلك أنه لا يخلو من أن يجعل (غير) معرفة أو نكرة. فإن جعله معرفة فبدل المعرفة من المعرفة سائغ، وإن جعله نكرة فبدل النكرة من المعرفة مشهور.
وأما من قدر (غير) صفة و (الذين فإنما جاز أن يصف(الذين) بـ (غير) من حيث لم يكن (الذين) مقصودا قصدهم. فصار مشابها للنكرة، من حيث اجتمع معه في أنه لم يرد به شيء معين.
ونظير ذلك مما دخله (الألف واللام) ، فلم يختص بدخولهما عليه،
لما لم يكن مقصودا قصده، قولهم: قد أمر بالرجل مثلك فيكرمني، فوصف الرجل بمثلك لما لم يكن معينا.
ومما جاء (غير) فيه صفة قوله: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95] فمن رفع (غير) كان وصفا للقاعدين، والقاعدون غير مقصود قصدهم، كما كان قوله: {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} كذلك. والتقدير: لا يستوي القاعدون من المؤمنين الأصحاء، والمجاهدون.
وأما من نصب (غير) على الاستثناء، فإن الفراء ينكر جواز ذلك،
وقال: لو كان (غير) هاهنا منصوبا على الاستثناء كان بمعنى (سوى) فلم يجز أن يعطف عليه بقوله: (ولا) لأن (لا) نفي وجحد، ولا يعطف بجحد إلا على جحد، ولا يجوز في الكلام استثناء يعطف عليه بجحد، كما تقول: [رأيت القوم إلا زيدا ولا عمرا، وإنما يعطف الجحد على الجحد، كما تقول:] ما قام أبوك ولا أخوك.