وقيل: هم الذين ذكرهم الله في قوله سبحانه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [النساء: 69] .
وقال ابن جرير: في الآية اختصار، معناه: صراط الذين أنعمت عليهم بالهداية إلى الصراط. والعرب تحذف من الكلام إذا كان في الباقي دليل عليه. وستمر بك أشباه لهذا كثيرة.
وقوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} (غير) ينخفض على ضربين: على البدل من (الذين) ، ويستقيم أن يكون صفة (الذين) . و (غير) نكرة، وجاز أن يقع هاهنا صفة لـ (الذين) ، لأن الذين هاهنا ليس بمقصود قصدهم، فهو بمنزلة قولك: إني لأمرُّ بالرجل مثلك فأكرمه.
ويجوز (النصب) على ضربين: على الحال، والاستثناء، أما الاستثناء: فكأنك قلت: إلا المغضوب عليهم، وهو استثناء الشيء من غير جنسه، وحق (غير) في الاستثناء النصب إذا كان ما بعد (إلا) منصوبا.
وأما الحال: فكأنك قلت: (صراط الذين أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم) .
قال ابن السراج: ويجوز عندي النصب على (أعنى) . وقد حكي عن الخليل نحو هذا، أنه أجازه على وجه القطع من الأول، كما يجيء المدح. ولمن نصب أن يقول: (غير) نكرة وكرهت أن أصف بها المعرفة.
والاختيار الكسر. ولا يلزم وصف المعرفة بالنكرة؛ لأن حكم كل مضاف إلى معرفة أن يكون معرفة، وإنما تنكرت (غير) و (مثل) مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما، وذلك أنك إذا قلت: رأيت غيرك، فكل شيء يرى سوى المخاطب هو غيره، وكذلك إذا قال: رأيت مثلك، فما هو مثله لا يحصى، يجوز أن يكون مثله في خلقه، وخلقه، وفي جاهه، وفي نسبه، وفي علمه، فإنما صارا نكرتين من أجل المعنى. فأما إذا كان شيء معرفة له ضد واحد، وأردت إثباته ونفي ضده، وعلم السامع ذلك الضد فوصفته بـ (غير) وأضفت (غير) إلى ضده، فهو معرفة، وذلك نحو قولك: عليك بالحركة غير السكون، فغير السكون معرفة، وهو الحركة، فكأنك كررت الحركة تأكيدا.
وكذلك قوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} فغير المغضوب عليهم، هم الذين أنعم عليهم، لأن من أنعم عليه بالإيمان، فهو غير مغضوب عليه، فهو مساو له في معرفته، ومتى كانت (غير) بهذِه الصفة، وقصد هذا