ثم نقول: وللنبوّة من حيث أصلها الظاهر الأثر تماما فِي شريعتنا حكم كلّي يظهر بتفاريعها الخمسة التي هي: الوجوب، والندب، والحظر، والكراهة، والإباحة باعتبار ترتّبها وانسحابها على سائر المكلّفين بحسب أحوالهم وأفعالهم وفهومهم.
وأوقاتهم ونشآتهم، وما تواطؤوا عليه وأنسته عقولهم وألفته طباعهم ألفة يتعذّر
عليهم الانفكاك عنها.
وحكم صورة النبوّة حفظ نظام العالم، ورعاية مصالح الكون للسلوك والترقّي من حيث الصور إلى حيث سعادة السالك المرتقي، كما مرّ بيانه ولإقامة العدل بين الأوصاف الطبيعيّة واستعمال القوى والآلات البدنيّة فيما يجب وينبغي استعماله، مع اجتناب طرفي الإفراط والتفريط فِي الاستعمال والتصرّف بمراقبة الميزان الإلهي الاعتدالي فِي ذلك والعمل بمقتضاه والفوز أيضا بالنعيم المحسوس الطبيعي فِي الدار الآخرة أبد الآباد، وتحصيل الاستعداد الجزئي الوجودي، لإذعان البدن بجملة قواه للروح القدسي الإلهي والانصباغ بصفته وحكمه وما يستلزمان من الأمور الإلهيّة والفوائد الروحانيّة.
وروح النبوّة: القربة، وثمرتها: الصفاء والتخلية التامّة، ثم صحّة المحاذاة، المستلزمة لمعرفة الحقّ، وشهوده، والأخذ منه، والإخبار عنه، وإحياء المناسبة الغيبيّة الثابتة بين روح السالك المتشرّع وبين روح النبيّ أيضا، والأرواح الآتية إليه، والملقية الوحي الإلهيّ والتنزّلات العلويّة الظاهرة الحكم والأثر عليه عند تقوية الروح وطهارته ومشاركته ملائكة الوحي، والإلقاء، فِي الدخول تحت دائرة المقام الذي منه يتنزّل الوحي المطلق، المنقسم على ملائكة الوحي والواصل إلى من وصل [إليه] بواسطة الملك، والمشاركة أيضا فِي الدخول تحت حكم الاسم الإلهي الذي له السلطنة على الأمّة المرسل إليها الرسول، وعلى الملك والرسول أيضا، من حيث ما هو رسول تلك الأمّة.