ومبدأ الشروع فِي درجات الكمال الإيماني من مقام التوبة، فالصراط المستقيم العدل الوسط فِي التوبة عبارة عن التلبّس بالحالة الخالصة من الشوائب المنافية للصدق، والجزم عند قصد الإنابة بحيث تكون التوبة طاهرة من كلّ ما يشينها مقبولة ثابتة الحكم، ثم التصديق الخاصّ بأنّ اللّه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيّئات ويعلم ما يفعل عباده.
وفي قوله سبحانه فِي هذه الآية: وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ، تنبيه على هذا الإيمان المشار إليه فإنّ الإيمان - كما علمت - التصديق، فمن صدّق اللّه فِي إخباره أنّه يعلم ما يفعلون، لم يقدم متجاسرا على ما يكره لأنّه من الضعف بمثابة أنّه لو نهاه مخلوق مثله - ممّن له عليه تسلّط - عن أمر مّا، وعرف أنّه كاره لذلك الأمر، ثم تأتّى له فعل ذلك الأمر مع وفور الرغبة ووجدان الاستطاعة لكنّه بمرأى من ذلك المتسلّط الناهي ومسمع، فإنّه لا يقدم على ارتكاب ذلك الفعل أبدا وإن توفّرت رغبته إلى أقصى الغاية، بل مجرّد الحياء من معاينته له مع تقدير الأمن من غائلته يصدّه عن ذلك، فكيف به إذا لم يتحقّق الأمن، فهذا النحو من الإيمان ليس هو نفس الإيمان باللّه وكتبه ورسله على سبيل الإجمال، بل هذا إيمان خاصّ.
ومن أكبر فوائد إخبار الحقّ ورسله والكمّل من خاصّته عن أحكام القدر تنبيه النفوس والهمم وتشويقها للتحلّي""
بعلم القدر أو التحقّق بالإيمان به بعد الإيمان بما ذكرنا، كقوله تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ و
كقوله عليه السّلام:"إنّ روح القدس نفث فِي روعي أنّ نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتّقوا اللّه وأجملوا فِي الطلب"