فأنا أقول: اهدنا إلى مثل ذلك الصراط المستقيم طلباً لمرتبة التائبين ، فإذا وجدتها فاطلب الاقتداء بدرجات الأنبياء عليهم السلام ، فهذا تفسير قوله اهدنا الصراط المستقيم.
الوجه الخامس: كأن الإنسان يقول فِي الطريق: كثرة الأحباب يجرونني إلى طريق ، والأعداء إلى طريق ثانٍ ، والشيطان إلى طريق ثالث ، وكذا القول فِي الشهوة والغضب والحقد والحسد ، وكذا القول فِي التعطيل والتشبيه والجبر والقدر والإرجاء والوعيد والرفض والخروج ، والعقل ضعيف ، والعمر قصير ، والصناعة طويلة ، والتجربة خطرة ، والقضاء عسير ، وقد تحيرت فِي الكل فاهدني إلى طريق أخرج منه إلى الجنة.
والمستقيم: السوي الذي لا غلظ فيه.
يحكى عن إبراهيم بن أدهم أنه كان يسير إلى بيت الله ، فإذا أعرابي على ناقة له فقال: يا شيخ إلى أين ؟ فقال إبراهيم إلى بيت الله ، قال كأنك مجنون لا أرى لك مركباً ؛ ولا زاداً ، والسفر طويل ، فقال إبراهيم: إن لي مراكب كثيرة ولكنك لا تراها ، قال: وما هي ؟ قال: إذا نزلت على بلية ركبت مركب الصبر ، وإذا نزل على نعمة ركبت مركب الشكر وإذا نزل بي القضاء ركبت مركب الرضا ، وإذا دعتني النفس إلى شيء علمت أن ما بقي من العمر أقل مما مضى فقال الأعرابي: سر بإذن الله فأنت الراكب وأنا الراجل.
الوجه السادس: قال بعضهم: الصراط المستقيم: الإسلام ، وقال بعضهم: القرآن ، وهذا لا يصح ؛ لأن قوله: {صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}
بدل من {الصراط المستقيم}
، وإذا كان كذلك كان التقدير اهدنا صراط من أنعمت عليهم من المتقدمين ، ومن تقدمنا من الأمم ما كان لهم القرآن والإسلام ، وإذا بطل ذلك ثبت أن المراد إهدنا صراط المحقين المستحقين للجنة ، وإنما قال الصراط ولم يقل السبيل ولا الطريق وإن كان الكل واحداً ليكون لفظ الصراط مذكراً لصراط جهنم فيكون الإنسان على مزيد خوف وخشية.