ورد عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وفيهم قدوة لنا - أن أحدهم كان يسترجع الله تعالى في شراك نعله [16] ؛ أي: إذا ضاع منه رباط الحذاء، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لا يقولها عند موت إنسان فقط وإزهاق روح، لا، يقولها في كل شيء ضاع حتى شراك النعل، إذا كان يسترجع في هذا الشيء الصغير أو الحقير، يسترجع الله عز وجل، فكأنه يقول: يا رب، هذا الرباط منك، وضاع مني إليك، أنت تعلمه وتعلم مكانه، وأنا أسترجع عنه لتعوضني عنه خيرًا، إنا لله وإنا إليه راجعون، إعلان أن كل شيء مبدؤه من الله، وأن كل شيء مرده إلى الله، فمثل هذا لا مانع أبدًا أن يسأل رباط حذائه من الله، ينبغي أن نتوجه إلى الله في كل شيء.
وأنا أحدثكم وأحدث نفسي عن صحابة أو تابعين أو عن أئمة صالحين، فربما لهؤلاء القمم الصحابة! لا يا أخي، والله سمعنا عن أناس من أيامنا، من أهل زماننا، كانت لهم حاجة فطرقوا الأبواب المشهورة المعروفة كأبواب الطب في المرض، طرقوها وسألوا فيها ولم تقض حاجتهم؛ فكأنهم وصلوا إلى درجة من اليأس، فلجؤوا وسألوا، فقيل لهم: هناك شيء آخر لم تجربوه، سألتم الله؟!
ربما يقول بعضهم: نعم دعونا كثيرًا؛ كيف دعوتم؟! يقول: دائمًا أدعو الله، هو يدعو الله دعاءً عابرًا، وهو يمشي في الطريق، وهو يأكل، كلما ذكر مشكلته: يا رب يسِّر، دعوة هكذا ربما لا تتجاوز حنجرته! لا، اطلب ربك من قلبك!
قم لله والناس نيام، والخلق نيام ولا قائم إلا هو سبحانه وتعالى، قائم على كل نفس بما كسبت، قم لله بالليل وتطهَّر بالليل، واجلس أو صلِّ ركعتين، وكلِّم الله وحدِّثه في مشكلتك: يا رب، أنت ربِّي، وقلت:"وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" [الفاتحة: 5] ، ولا معين لي غيرك، أسأل من؟ وأين أذهب؟ ومن يقضي حاجتي غيرك؟ كلِّم ربك، قل لله: يا رب، تعلم حالي وعلمك بحالي يغنيك عن سؤالي، كلم ربك بأي أسلوب، بأي شكل، ولكن بأسلوب فيه أدب، بأسلوب فيه توقير.