ولما طلب أشرف طريق سأل أحسن رفيق فقال: {صراط الذين أنعمت عليهم}
ولما كانت النعمة قد تخص الدنيوية عينها واستعاذ من أولئك الذين شاهدهم فِي التيه سائرين وعن القصد عائرين جائرين أو حائرين فقال: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} . وقد أشير فِي أم الكتاب.
كما قال العلامة سعد الدين مسعود ابن عمرو التفتازاني الشافعي.
إلى جميع النعم فإنها ترجع إلى إيجاد وإبقاء أولاً وإلى إيجاد وإبقاء ثانياً فِي دار الفناء والبقاء ، أما الإيجاد الأول فبقوله {الحمد لله رب العالمين}
فإن الإخراج من العدم إلى الوجود أعظم تربية ، وأما الإبقاء الأول فبقوله: {الرحمن الرحيم}
أي المنعم بجلائل النعم ودقائقها التي بها البقاء ، وأما الإيجاد الثاني فبقوله: {مالك يوم الدين}
وهو ظاهر ، وأما الإبقاء الثاني فبقوله: {إياك نعبد}
إلى آخرها ، فإن منافع ذلك تعود إلى الآخرة.
ثم جاء التصدير بالحمد بعد الفاتحة فِي أربع سور أشير فِي كل سورة منها إلى نعمة من هذه النعم ترتيبها.
انتهى ، وسيأتي فِي أول كل سورة من الأربع ما يتعلق بها من بقية كلامه إن شاء الله تعالى ، وهذا يرجع إلى أصل مدلول الحمد فإن مادته بكل ترتيب تدور على بلوغ الغاية ويلزم منه الاتساع والإحاطة والاستدارة فيلزمها مطأطأة الرأس وقد يلزم الغاية الرضا فيلزمه الشكر وسيبين وينزل على الجزئيات فِي سورة النحل إن شاء الله تعالى ، ثم فِي أول سبأ تحقيق ما قاله الناس فيه وفي النسبة بينه وبين الشكر فقد بان سر الافتتاح من حيث تصديرها بالحمد جزئياً فكلياً الذي كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه فهو أجذم ؛ وتعقبه بمدح المحمود بما ذكر من أسمائه الحسنى مع اشتمالها على جملة معاني القرآن من الحكم النظرية والأحكام العملية فهي أم القرآن لأنها له عنوان وهو كله لما تضمنته على قصرها بسط وتبيان.