وقد عرفت أن الإنشاء بالنسبة إلَى الهيئة التركيبية. اعلم أن مقدرات الْقُرْآن من مدلولات الْقُرْآن
قال صاحب التوضيح في أواخر قوله ومما يتصل لذلك الْمَحْذُوف اللَّفْظ إما حَقيقَة وإما تقديرًا
وكل ما هُوَ مَحْذُوف لكنَّه ثابت لغة فإنه في حكم الملفوظ فيكون اللَّفْظ المَنْطُوق دالًا عَلَى
اللَّفْظ الْمَحْذُوف ثم اللَّفْظ الْمَحْذُوف دال عَلَى معناه بإحدى هذه الْأَقْسَام الأربعة. فالدلالة
المنقسمة عَلَى الأربعة دلالة اللَّفْظ عَلَى الْمَعْنَى أما دلالة اللَّفْظ عَلَى لفظ آخر فليس من باب
دلالة اللَّفْظ عَلَى الْمَعْنَى انتهى. فقوله فيكون اللَّفْظ المَنْطُوق دالًا عَلَى اللَّفْظ الْمَحْذُوف صريح
فيما ذكرنا من أن مقدرات الْقُرْآن من مدلولات الْقُرْآن لا من الْقُرْآن كما أن معاني الْقُرْآن ليست
منه عَلَى الأصح بل الْقُرْآن عبارة عن النظم الدال عَلَى الْمَعْنَى فالْمَعَاني والْمَحْذُوفات كلاهما من
مدلولات الْقُرْآن لا منه فلا تجوز الصلاة بقراءة المقدرات وإن كانت مقدار ما يجوز به الصلاة
ولا يكفر من جحد كونها من الْقُرْآن لأنه كما عرفت عبارة عن النظم المنزل المنقول إلينا متواترًا
والمقدرات ليست كَذَلكَ، وأما كونها مدلول الْقُرْآن فإنكاره بطَريق الإطلاق يخشى عليه الأمر
العظيم، وأما إنكار المقدر الْمَخْصُوص فلا يخاف عليه خوف المقدر المطلق وتجوز قراءته
للجنب والحائض. قال في أوائل التوضيح لو قرأ الجنب والحائض آية من الْقُرْآن بالفارسية
يجوز لأنه لَيسَ بقرآن لعدم النظم هذا ما سنح بخاطر الفقير والعلم عند اللَّه الملك التقدير وهذا
أولى مما قيل واعلم أن مقدرات الْقُرْآن ليست منه لأنها تذكر لإظهار الْمَعَاني، ومما قيل أَيْضًا
إن مقدرات الْقُرْآن هي من الْمَعَاني الْقُرْآنية لدلالة المَنْطُوق عليها التزامًا، وأما ألفاظها فليست من
الْقُرْآن انتهى. فإن ذلك بناء عَلَى الذهول عن تحقيق المحقق صدر الشريعة.
قوله: (وكَذَلكَ يضمر) أي كإضمار البادي في القراءة بالتَّسْميَة اقرأ يضمر (كل فاعل)
من المسافر والذابح والمرتحل (ما يجمل التَّسْميَة مبدأ له) فيضمر الشارع في السفر أسافر
والذابح أذبح والمرتحل أرتحل أي كل فاعل يتصور ما هُوَ بصدده من الأفعال ويقصد جعله
قال يا لها يضمر ويقدر الْفعْل الاصْطلَاحي الذي يجعل التَّسْميَة مبدأ للفعل الحقيقي الذي هُوَ
بصدده وإن وقع غير من الأفعال تاليًا لها ككونه ملفوظا ومحدثًا ومؤلفا فيما نحن فيه وكونه
ماشيًا أو راكبًا في نحو أسافر فمن لم يفهم مراد المصنف قال إن الذي يتلوه كما وقع القراءة
وقع كثير من الأفعال ككونه ملفوظًا ومحدثا ومؤلفًا فإن هذه الأفعال لم يقصد أن يجعل
التَّسْميَة مبدأ لها وأراد المصنف به إن هذا لَيسَ بمختص بهذا المقام بل هُوَ قاعدة مطردة
فذكرها تتميمًا للفَائدَة وتقريرًا لما ذكر هنا وفي كلامه تسامح فإن التَّسْميَة جعلت مبدأ للفعل
الحقيقي كالقراءة والمضمر الْفعْل النحوي الدال عليه فتقدير كلامه. مبدأ لمعناه التضمني