وأما قول الهذلى في (كامله) : قال حمزة في رواية ابن قلوقا: «إنما يتعوذ بعد الفراغ» ، وبه قال [أبو] حاتم، فلا دليل فيه؛ لأن رواية ابن قلوقا عن حمزة منقطعة في «الكامل» لا يصح إسنادها، وكل من ذكر هذه الرواية [عنه] كالدانى والهمذانى، وابن سوار، وغيرهم لم يذكروا ذلك؛ ولذا لم يذكر أحد عن أبى حاتم ما ذكره الهذلى، ولا دليل لهم في الآية؛ لجريانها على ألسنة العرب وعرفهم؛ لأن تقديرها: إذا أردت القراءة؛ كقوله: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: 6] ؛
وكالحديث: «من أتى الجمعة فليغتسل» ، وأيضا فالمعنى الذي شرعت له يقتضى تقدمها، وهو الالتجاء إلى الله تعالى
والاعتصام بجانبه من خطل أو خلل يطرأ في القراءة أو غيرها، والإقرار له بالمعذرة، واعتراف العبد بالضعف والعجز عن هذا العدو الذي لا يقدر على دفعه إلا الله تعالى.
الثانى: في صفتها.
والمختار لجميع القراء: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» ، بل حكى الأستاذ أبو طاهر ابن سوار وأبو العز وغيرهما الاتفاق على ذلك، بل قال السخاوى: هو الذي عليه إجماع الأمة. وفى دعواهما نظر، ولعلهما أرادا المختار؛ فقد ورد غير ذلك. أما (أعوذ) فنقل عن حمزة: «أعوذ» و «نستعيذ» و «استعذت» ولا يصح؛ لما سيأتي، واختاره
صاحب «الهداية» من الحنفية.
قال: لمطابقة لفظ القرآن، يعنى فَاسْتَعِذْ [النحل: 98] .
ويؤخذ من هذا التعليل: أنه لا يجزئ عنده إلا «أستعيذ» وفيه نظر، بل لا يجزئ «أستعيذ» .
والدليل عليه أن السين والتاء شأنهما الدلالة على الطلب إيذانا بطلب التعوذ؛ فمعنى «استعذ بالله» : اطلب من الله أن يعيذك. فامتثال الأمر [قولك] : «أعوذ» ؛ لأن قائله متعوذ ومستعيذ، قد عاذ والتجأ، وقائل: «أستعيذ» طالب العياذ لا متعوذ، ك «أستخير» [الله] ، أي: أطلب خيرته، وكذلك [أستغفره] وأستقيله، فدخلت [استعذ] على الأمر إيذانا بطلب هذا المعنى من المعاذ به، فإذا قال المأمور: (أعوذ) فقد امتثل ما طلب منه؛ فإن المطلوب منه نفس الاعتصام، وفرق بينه وبين طلب الاعتصام، فلما كان المستعيذ هاربا ملتجئا معتصما بالله أتى بالفعل الدال على ذلك، فتأمله.
فإن قلت: فما تقول في الحديث الذي رواه أبو جعفر الطبرى بسنده إلى ابن عباس قال: أول ما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا محمّد استعذ» .
قال: «أستعيذ بالسّميع العليم من الشّيطان الرّجيم» .