فالجواب: أن التمسك به يتوقف على صحته، وقد قال الحافظ أبو الفداء إسماعيل ابن كثير: «فى إسناده ضعف وانقطاع» . انتهى.
ومع ذلك فإن الدانى رواه على الصواب عن ابن عباس: أن جبريل قال: «يا محمّد قل: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم» .
والحاصل أن المروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في جميع تعوذاته: أعوذ، وهو الذي أمره الله به وعلمه له فقال: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ [المؤمنون: 97] ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس: 1] ، وقال تعالى عن موسى: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [البقرة: 67] ، وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ [الدخان: 20] ، وقال سيد البشر: «إذا تشهّد أحدكم
فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهمّ إنّى أعوذ بك ... الحديث».
ولم يقل: أستعيذ، ولا أصرح في بيان الآية من هذا.
وأما «بالله» فجاء عن ابن سيرين [أعوذ] بالسميع العليم. قيل: وعن حمزة.
وأما «الرجيم» ففي «كامل الهذلى» «أعوذ بالله القادر من الشيطان الغادر» .
وعن أبى السمال: «أعوذ بالله القوى من الشيطان الغوى» .
الثالث: في الجهر بها والإخفاء.
والمختار: الجهر بها عند جميع القراء، إلا ما سنذكر عن حمزة، وفى كل حال من أحوال القراءة.
قال الدانى: لا أعلم خلافا في الجهر بالاستعاذة عند افتتاح القرآن، وعند ابتداء كل قارئ لعرض أو تدريس أو تلقين، وفى جميع القرآن، إلا ما جاء عن حمزة ونافع.
ثم روى عن ابن المسيبى أنه قال: ما كنا نستعيذ البتة.
وروى عن نافع أنه كان يجهر بالتسمية، ويخفى الاستعاذة عند افتتاح السور ورءوس الآى.
[ثم] قال المصنف: وقد صح إخفاء التعوذ من رواية المسيبى. وسيأتي عن حمزة.
واعلم أن في البيت أربع مسائل: حكم الاستعاذة، وابتداؤها ب «أعوذ» ، وكونها كالنحل، [وجهرا] .
فقوله: (لجميع القراء) إما حال من (أعوذ) ، أي: قل هذا اللفظ لجميع القراء؛ لقول المصنف في «نشره» : نقل عن حمزة: أستعيذ، ولا يصح؛ فيكون إجماعا، أو متعلق ب «جهرا» ثم استثنى حمزة، وهو صريح كلام الدانى، ولما صح عنده [إخفاء] الاستعاذة عن نافع لم يستثنه، أو ب (كالنحل) تبعا للسخاوى وغيره، وهو أبعدها؛ لتجويزه [الزيادة] والتغيير، والأولى أن يكون المراد: قل التعوذ ابتداء لجميع القراء؛ لأنه طعن فيما روي عن حمزة وأبى حاتم.