إذن فقوله:"وحسن أولئك رفيقاً"مأخوذة من الرفق وهو: إدخال اليسر ، والأنس ، والراحة ، ويكون هذا الإنسان الذي أطاع الله ورسوله بصحبة النبيين ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين.
وقد يقول قائل: كيف يجتمع كل هؤلاء في منزلة واحدة ؛ على الرغم من اختلاف أعمالهم في الدنيا ، أليس الله هو القائل:
{وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} [النجم: 39] .
ونقول: ما دام المؤمن أطاع الله وأطاع الرسول ، أليس ذلك في سعيه ؟ فهذه الطاعة والمحبة لله ولرسوله هي من سعي العبد ؛ وعلى ذلك فلا تناقض بين الآيتين ، لأن عمل الإنسان هو سعيه ، ويصبح من حقه أن يكون في معية الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين. وقد تكون الصحبة تكريما لهم جميعاً ليأنسوا بالصحبة ، وهذه المسألة ستشرح لنا قوله:
{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} [الأعراف: 43] .
فساعة يرى واحد منزلته في الآخرة أعلى من آخر ، إياك أن تظن أنه سيقول: منزلتي أعلى من هذا ؛ لأنه ما دام قد ترك الأسباب في الدنيا وعاش مع مسبب الأسباب ، فهو من حبه لله يحب كل من سمع كلام ربنا في الدنيا فيقول لكل محب لله: أنت تستحق منزلتك ، ويفرح لمن منزلته أعلى منه.
وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - لنفرض أن هناك فصلاً فيه تلاميذ كثيرة ، بعضهم يحب أن ينجح فقط ، وبعضهم يحب العلم لذات العلم ، وعندما يجد عشاق العلم تلميذاً نجيباً ، أيكرهونه أم يحبونه ؟ إنهم يحبونه ويسألونه ويفرحون به ويقولون: هذا هو الأول علينا ؛ لأنه لا يحب نفسه بل يحب الآخرين ، فكذلك المؤمن الذي يكون في منزلة بالجنة ويرى غيره في منزلة أعلى ، إياك أن تقول إن نفسه تتحرك عليه بالغيرة ، لا.