النفوس ضنت بحياتها وبقائها فقال: {ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} يعني أن الجهاد خير لكم من قعودكم للحياة والسلامة ، فكأنها قالت: فما لنا فِي الجهاد من الحظ ؟ فقال: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبِكُمْ} ، مع المغفرة: {يُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنِ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الصف: 12] ، فكأنها قالت: هذا فِي الآخرة فما لنا فِي الدنيا ؟ فقال: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 13] .
[فلله] ما أحلى هذه الألفاظ وما ألصقها بالقلوب وما أعظمها جذباً لها وتسييراً إلى ربها ، وما ألطف موقعها من قلب كل محب ، وما أعظم غنى القلب وأطيب عيشه حين تباشره معانيها ، فنسأل الله من فضله إنه جواد كريم.
الطبقة السابعة: أهل الإيثار والصدقة والإحسان إلى الناس بأموالهم على اختلاف حاجاتهم ومصالحهم من تفريج كرباتهم ودفع ضروراتهم وكفايتهم فِي مهماتهم وهم أحد الصنفين اللذين قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم:"لا حسد إلا فِي اثنين: رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها الناس ، ورجل آتاه الله مالاً وسلطه على هلكته فِي الحق"، يعني أنه لا ينبغى لأحد أن يغبط أحداً على نعمة ويتمنى مثلها ، إلا أحد هذين ، وذلك لما فيهما من منافع النفع العام والإحسان المتعدى إلى الخلق ، فهذا ينفعهم بعلمه وهذا ينفعهم بماله ، والخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله.