فهرس الكتاب

الصفحة 996 من 2255

مثل هذه الآراء لا وقت عند علماء المادة حتى لسماعها ، فالعلم المادي بشقيه الإحيائي والتكنولوجي يعتمد على حقائق لا أراء ولا مبررات عقلية متناقضة ، فعندما يقولون غليان الماء عند 100 درجة مئوية حقيقة ، فإنه لا أحد يستطيع أن يعارض ، فالعلمانية أعطتنا مبررات منطقية وثبت أنها متناقضة وحاول الفلاسفة وضع معايير عقلية لتحديد الحق والصواب فقالوا: لنأخذ الحرية والعدل والمنفعة والسعادة ... الخ، ومن الصعوبات التي واجهتهم أن هناك تناقض بين هذه المعايير ومنها أن هذه أهداف عامة لا اختلاف حولها ، فلا يوجد عاقل يقول أن هدفي هو التعاسة أو الظلم ، وأنها مقياس لتحديد الحق من الباطل ، ومن التناقض في هذه المبادئ: أن العلمانية الرأسمالية أعطت وزنًا أكبر لقضايا الحرية مما جعل وزن العدل يقل في حين أن العلمانية الشيوعية فعلت العكس ، فالحرية تجعل الناس يتفاوتون في ثرواتهم وحظهم من الغنى والفقر فقد يسكن فرد منهم قصرًا به مئات الغرف ، وينام الآخر في العراء ، في حين أن الشيوعية تحرص على نفس السكن أو مساكن متقاربة ولا تعتبر هذا يعارض الحرية الشخصية بل لا تعتبر تملك الثروة الهائلة بل المعتدلة من الحرية أصلًا ، والمشكلة أنه ليست عندنا حرية أو عدل فقط بل هناك مساواة ومصلحة جماعة ومصلحة فرد ومصلحة شعب، وهناك السعادة والرحمة والمنفعة"المصلحة"والإخاء والاحترام والحب والإبداع والتمتع والراحة النفسية والعزة والرفاهية والاستقرار والتملك والراحة الجسدية واللذة ، وهذه وغيرها أهداف نريد أن توصلنا لها عقائدنا ونظمنا ومفاهيمنا وقوانيننا ونريد أن نصل إلى نظام صحيح يحقق التوازن الصحيح بين هذه الأمور ، فلا نتطرف في ماديات ولا روحانيات ولا غرائز وهذه الأمور أهداف متداخلة مع بعضها ، وأحيانًا متناقضة واقتناع العقول البشرية بأهميتها كلها أو بعضها أمر مختلف فيه كما أن إعطاء أوزان لها أمر مختلف فيه حتى لو تم الاتفاق على بعضها أو كلها كعناصر معيارية فقد تكون الانتخابات تعطي حرية ولكنها قد لا تعطي عدلًا ، وقد يخسرها المخلصون والعلماء وينجح بها المنافقون والجهلاء ، أما إذا حددنا مواصفات دقيقة تمنع ترشيح الجهلاء والمنافقين فإن هذا معناه تقليل حجم الحرية ، فالبعض لن يكون من حقه الترشيح أو حتى الانتخاب ، بحث العلمانيون والفلاسفة هذه القضايا فقالوا لنعتبر الشيء حقًا وصوابًا إذا حصل على اتفاق الأغلبية أي من خلال التصويت وما عداه خاطئ ، وقال آخرون لنجعل معيارنا للحق السلطة سواء كانت أبًا أو أمًا أو حكومة ، وقال آخرون إن مقياس الحقيقة هي أن نعيش تجربة عملية ، ثم نستنتج بعدها حقائق هذا الواقع وقال غيرهم لنجعل المصلحة هي

الميزان ونقيس الإيجابيات والسلبيات ، واختلفوا في ذلك والإيجابيات والسلبيات تختلف وزنًا واتجاهًا من طرف إلى آخر ، وقد قيل مصائب قوم عند قوم فوائد ، وقال آخرون ما رأيكم أن يكون معيارنا هو تجربة كل فكرة على الواقع ، والفكرة التي تبقى وتعيش هي الصحيحة ، أما التي تموت فهي الخاطئة وبعضهم قال لنجمع علماء من مختلف التخصصات ، ونجعلهم يحددون المعايير وبعضهم قال لنأخذ بعض العلماء ونجعلهم يعرفون كل أنواع العلم ، ثم سيكونون قادرين على وضع هذه المعايير ، وبعضهم حاول أن يصنع معيارًا مركبًا من عدة نقاط ، وكل هذه المعايير وجدت من يرفضها كليًا أو جزئيًا وينفي مناسبتها لتحديد الحق من الباطل ، وطبعًا سيختلف الناس فيمن يضع هذه المعايير بمعنى لو اخترنا مئة عالم أمريكي لأعطونا معايير متأثرة بخبرتهم وتجاربهم ، ولو أخذنا مئة عالم صيني لأعطونا معايير أخرى ، وهكذا فستكون معايير تحديد الحق من الباطل هي معايير ظنية ومتغيرة ومختلفة من فريق إلى آخر وهنا نحن نفترض أن المئة عالم"مفكر"أمريكي سيتفقون على معايير واحدة من خلال نقاش وحوار وسيتضح للجميع أن هذه هي المعايير الصحيحة لتحديد الصواب من الخطأ أي أن الاتفاق لن يكون من خلال التصويت ، وهذا أيضًا افتراض خيالي لأن العقول الأمريكية متعارضة كفلاسفة وعلمانيين ومفكرين ، فإذا كان من الصعب وأحيانًا من المستحيل أن يتفق فيلسوفان كبيران على عشر حقائق فما بالك بمئة عقل وما بالك بمئة عقل من مختلف أنحاء العالم ، إن النتيجة المنطقية والبديهية أننا لن نصل إلى معيار لتحديد ما هو الحق وما هو الباطل في القضايا المختلف حولها وأقول المختلف حولها لأن هناك قضايا لا اختلاف حولها بين العقلاء مثل أن السرقة شر والاعتداء على الناس خطأ ، والتواضع صفة محمودة ، ومساعدة الفقراء رقي وحضارة .. الخ ، وقال هنترميد عن معيار مركب:"حدود المعيار المركب: ولكن من سوء الحظ أن جزءًا فقط من القضايا التي يتعين الحكم عليها بأنها"حقيقة"أو"بطلان"هو وحده الذي يستطيع الصمود لكل هذه المعايير" (1) وقال"تعد مشكلة الحقيقة من أعقد المشكلات التي يتعين على الفلسفة بحثها ، ذلك لأنه ليست هناك كثرة من"الحقائق"فحسب ، بل إن الناس نادرًا ما يعنون نفس الشيء عندما يضعون عبارة بأنها"حقيقة"وقال"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت