فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 2255

يتوقع القادم من خارج الحدود أن شباب هذا البلد الإسلامي متمسك بدينه، ومعتز بلغته، وقابض على هويته، فلا يتوقع الغريب أن يرى شباب هذا المجتمع يرتدي الجينز حيث وجد نفسه فيه، ولا يتصور أن يبصر شبابًا يلبسون لباسًا تعلوه صورة لأحد مشاهير الغرب وباللغة الإنجليزية التي في الغالب لا يفهم معانيها ويشعر أثناء ذلك بالزهو،ويرى أن ذلك علامة الرقي والانتماء إلى التحضر! مظهرية جوفاء،ولهذا لا يعرف كيف صنع حزام البنطلون، ولا يدري من أي شيء صنع زرار القميص.

وقد أشار بعض المدركين لهذه المفارقة العجيبة والمظهرية الجوفاء بقوله:"أخذنا منهم السيجارة وما عرفنا نصنع السيارة".

وإن أبدى المسؤول الصغير خلاف هذه المفارقة،ونفى هذه المظهرية الجوفاء عند شبابنا، وأظهر عن سطحيته في تفسير الظواهر الاجتماعية، وأبان عن قصر نظره، وهذا من حسن الظن به وإلا في الحقيقة الكثير من هؤلاء معجب بالمظاهر الغربية ويرى أن المظهر الغربي طريق للتصنيع والتقنية والحضارة.

عودًا إلى الأجنبي وعلى الوافد من خارج الحدود، فلو سمح له بطرح المجاملة وتبني الصراحة لقال:"إ ن طمس الشاه ملك إيران لصورة الجمل ومحاربته لهذا الرمز كانت أضحوكة الأجانب في إيران، ومادة لسخريتهم من ملك يحارب جملًا تشبهًا بالغرب، وفي نفس الوقت الغرب يفتخر بتربية الفئران والجرذان ويقيم التجارب عليها ليستفيد منها".

وإذا كان ماركيز الروائي العالمي (الغربي - النصراني) تفاجأ في نهاية رحلته إلى موسكو بعد إعجابه بالشارع الروسي لكونه متمسكًا بهويته، فلا تجد الدعاية الغربية، ولا النمط الأمريكي، وغير مخترق من قبل الثقافة الغربية، لكن في نهاية رحلته فاجأته مترجمته بسؤالها عن رائحة الكوكاكولا فقد خاب أمله، وصدمته بهذا السؤال، لكن يبدو أن الاختراق الفكري كان قد وصل فوهة البركان، يقينًا بأن هناك من كان يناصح المسؤول الكبير الروسي بأن هناك بداية بركان غربي في باطن الشباب الروسي، فإذا لم يُطفأ فسينفجر .

وهذا ما حصل في بقية الدول العربية والإسلامية: براكين مغطاة لا يسمح للناصح والنذير والغيور الكلام فيها، بل تجد من يحذَّر من الناصحين ويصفهم بأنهم يبالغون في حجم الكارثة، وينعتهم بأنهم يعطون الأمر أكبر من حجمه، ويجعلون من الحبة قبة، فمن أراد معرفة جناية هؤلاء المحذَّرين من الناصحين والمنفَّرين من الغيورين على المجتمع وعلى الدين والمبادئ، وعلى الأخلاق وعلى الفضيلة والشرف، وعلى الأمن والأمان: فليقرأ مسيرة الفساد في الدول العربية، وليستقرئ تاريخ الجمعيات السرية، والتكتلات الخفية في هذه الدول، ليعرف تفعيل عملية التدرج في المجتمع، وتفعيل سيناريو (مشروع الألف ميل يبدأ بخطوة) ، فإذا قارن هذه المسيرة، وطابق هذا التاريخ على واقع هذه الدول وعلى شعوبها في الوقت الحالي فسيحكم على دعاة الفساد والرذيلة بالذكاء، وسيشهد لرؤساء هذه الجمعيات ودعاة تلك البرامج بالدهاء في رسم مخططاتهم وحبك تطبيق خططهم، والنجاح التام في تحويل هذه الدول وشعوبها إلى غربان، فهي تنازلت عن مبادئها، وطرحت أخلاقها لتلحق بأوروبا، وغيرت لغتها ومسخت هويتها لتكون غربية، ونسيت أو تناست تاريخها لتكون أمريكية، لكن النتيجة أن تحولت هذه الشعوب إلى غربان لم تستطع مجاراة الحمام في مشيتها، ونسيت مشيتها الأصلية، فالثمرة الفشل التام،فلا هي تقدمت في العلوم الطبيعية التجريبية والتكنولوجية، ولا هي تمسكت بمبادئها وأخلاقها وأصالتها، واعتزت بما لديها من تقدم في العلوم الإنسانية، بل وقفت في نصف الطريق بين حضارتين، وبين عقليتين في صحراء قاحلة وأضاعت الدنيا والآخرة.

حضارتنا في عيون الغربيين

د.عبد المعطي الدالاتي

"لا يمكن أن نجد دينًا يحتل العلم والمعرفة"

فيه محلًا بارزًا كما كان الأمر في الإسلام""

-كونستان جيورجيو -

تميزت الحضارة العربية الإسلامية بغايتها الربانية ، ورؤيتها الإنسانية ونزعتها العالمية ، ونظرتها الشمولية ، وفكرتها الوسطية ، وصبغتها الأخلاقية . وهذه الحضارة هي الوحيدة في التاريخ التي وصلت الدنيا بالآخرة ، وربطت السماء بالأرض ، وآخت بين العقل والقلب ، ومزجت المادة بالروح ، وأرضت الفرد والمجتمع ، ووازنت بين الحقوق والواجبات ، وجمعت بين الواقع والمثال .. لقد وحّدت بحق بين الثنائيات ، وأخرجت منها شرابًا خالصًا سائغًا للشاربين .

وفيما يلي أنقل شهادات غربية منصفة في حضارتنا انتُزعت من أقلام مفكرين غربيين درسوا الإسلام فراعهم جماله ، وأعجبتهم مبادئه ، ولكنهم لم يُنزلوا قناعاتهم من سماء العقل إلى أرض القلب ، ولم يسقوها بماء الوجدان ، فلم تنمُ غراسها ولم تثمر !

وفشلوا في أن يحوّلوا الاقتناع بالحق إلى اعتناق له ، والإعجاب بالإسلام إلى عقيدة تجري في العروق ، نعم لم يبقَ أمامهم إلا ضربة معول واحدة كي يصلوا إلى النبع الثّر الزلال ، فلم يفعلوا ..

حاموا وهم الظّماء حول الماء ولم ينهلوا !!

وإنما أعرض أقوالهم لأولئك المهزومين أمام الغرب ، الذين لا يشربون الكأس الرويّة إلا إذا كانت بيد غربية ! ولا يجرعون الدواء إلا من تلك الصيدلية !!

على أن بعض هذه العبارات كانت في سياقها شَرَكًا نُصب للعقل المسلم ، ولا حرج علينا - أظن - إن لقطنا الحبة ، ومزقنا الشبكة ، وطرنا بسلام .

يقول المؤرخ الإنجليزي (ويلز) :"كل دين لا يسير مع المدنية في كل أطوارها فاضرب به عرض الحائط ، وإن الدين الحق الذي وجدته يسير مع المدنية أينما سارت هو الإسلام … ومن أراد الدليل فليقرأ القرآن وما فيه من نظرات ومناهج علمية ، وقوانين اجتماعية ، فهو كتاب دين وعلم واجتماع وخلق وتاريخ ، وإذا طُلبَ مني أن أحدّد معنى الإسلام فإني أحدده بهذه العبارة"الإسلام هو المدنية" (1) ."

وتقول المستشرقة زيغريد هونكه في كتابها القيم: (شمس الله تسطع على الغرب) :"إن هذه القفزة السريعة المدهشة في سلم الحضارة التي قفزها أبناء الصحراء ، والتي بدأت من اللا شيء لهي جديرة بالاعتبار في تاريخ الفكر الإنساني… وإن انتصاراتهم العلمية المتلاحقة التي جعلت منهم سادة للشعوب المتحضرة لفريدة من نوعها ، لدرجة تجعلها أعظم من أن تُقارَن بغيرها ، وتدعونا أن نقف متأملين: كيف حدث هذا ؟! إنه الإسلام الذي جعل من القبائل المتفككة شعبًا عظيمًا ، آخت بينه العقيدة ، وبهذا الروح القوي الفتي شق العرب طريقهم بعزيمة قوية تحت قيادة حكيمة وضع أساسها الرسول بنفسه … أو ليس في هذا الإيمان تفسير لذلك البعث الجديد ؟! والواقع أن روجر بيكون أو جاليليو أو دافنشي ليسوا هم الذين أسسوا البحث العلمي .. إنما السباقون في هذا المضمار كانوا من العرب الذين لجأوا - بعكس زملائهم المسيحيين - في بحثهم إلى العقل والملاحظة والتحقيق والبحث المستقيم ، لقد قدّم المسلمون أثمن هدية وهي طريقة البحث العلمي الصحيح التي مهدت أمام الغرب طريقه لمعرفة أسرار الطبيعة وتسلطه عليها اليوم … وإن كل مستشفى وكل مركز علمي في أيامنا هذه إنما هي في حقيقة الأمر نُصب تذكارية للعبقرية العربية … وقد بقي الطب الغربي قرونًا عديدة نسخة ممسوخة عن الطب العربي ، وعلى الرغم من إحراق كتب ابن سينا في مدينة بازل بحركة مسيحية عدائية ، فإن كتب التراث العربي لم تختف من رفوف المكتبات وجيوب الأطباء ، بل ظلت محفوظة يسرق منها السارقون ما شاء لهم أن يسرقوا" (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت