كما أن هناك اتحاد مجامع لغوية على مستوى الوطن العربي، ورغم هذا لم نسمع بنهضة عامة تضبط الترجمة والتعريب في العلوم المختلفة لتجعلها موحدة على مستوى الدول العربية؛ فكل دولة تعرب بأسلوب معين وبمدرسة معينة وبمنهجية معينة في التعريب، ولذلك ظهرت مشكلة التعددية المصطلحية، السوري يترجم المصطلح الأجنبي بترجمة معينة عربية، والمصري يترجم بترجمة أخرى، والتونسي يترجم بترجمة ثالثة؛ مما يوقع المستخدم في حيرة واضطراب، فعلى سبيل المثال تتكلم بعض المجامع اللغوية عن الهيموجلوبين والبنكرياس والبروستاتا، وفي مجامع أخرى يسمى الخضاب (الهيموجلوبين) والمعثكلة (البنكرياس) والموثة (البروستاتا) ، وعلى العكس في الدول الأجنبية ففي فرنسا مثلا هناك المجمع العلمي الفرنسي الذي يوحد المصطلح، بحيث أن كل شخص يدرس اللغة الفرنسية في أي مكان من العالم لا يمكن أن يجد تعدد في المصطلح في الوقت الذي في العالم العربي يمكن أن يجد في كل دولة تعريب أو مصطلح يخص مترجم هذه الدولة.
إن اللغة العربية هي هويتنا ووجودنا، وهي على خطر، ويجب أن تعود لوضعها الطبيعي في استيعاب العلوم على كثرتها وتنوعها، وكيف لا وهي لغة البيان والقرآن، هذا إن أردنا نهضة حقيقية بعيدة عن الشعارات والمهاترات.
تصدير الحضارات على ظهور الدبابات 1- 2
إبراهيم الأزرق
20 ربيع الثاني 1426هـ الموافق له 28 مايو 2005 م
من الشبه التي تثار على دين الإسلام بين فينة وأخرى هو أنه دين أُجبر الناس على اعتناقه بحد السيف، وقد كتب علماء الإسلام ومفكروه في رد هذه الفرية ما يكفي.
وحسب القارئ الكريم أن يعلم أن الإسلام رغم الاستضعاف الذي نزل بأهله في هذه الأزمان هو أكثر الديانات انشارًا وفقًا للإحصائيات، وأنى لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وهو رجل واحد بين أمم أهل الكتاب والمجوس والمشركين أنى له أن ينشر دعوته بالسيف بينهم، بل كيف يفعل ذلك أتباعه في أول أمرهم ولم يزل الأمر بكف الأيدي عن القتال يتنزل على رسولهم - صلى الله عليه وسلم - قبل فرضه، نعم فرض القتال بعدُ، ولكن ما كان لينتشر في أول أمره ولاحقه إن لم تكن لدعوته مقومات القبول والانتشار عند الناس، وإذا تأملت تلك الملاحم التي حدثت في عهد النبوة وقريب منها وجدت أن عسكر الإسلام وجند القرآن هم الأقل عدة وعددًا، ومع ذلك فقل أن تكون دائرة إلاّ لهم، وهذا يفيد بأن سبب نصرهم أمر زائد على حد السيف.
وقد دخل الإسلام أقطار آسيا الشرقية وغيرها من الأمم الأوربية مع أنه لم يصل إلى تلك الأصقاع جنود وعساكر، ولعلك اليوم لا تجد دولة في أرض الله ليس فيها مسلم، بل قد عهد في تاريخ الإسلام أمرًا عجبًا لعله لم يعهد في تاريخ الديانات الأخرى وهو دخول الغزاة المتغلبين على المسلمين في دين الله أفواجًا كما حصل أيام الغزو التتري على بلاد المسلمين.
وأنبه هنا إلى أن المسلمين لا ينكرون أهمية السيف والقتال، بل هم يعلمون أن القتال فريضة مكتوبة عليهم مع أنه كره كما قال الله - تعالى-: (( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) )، وهذا الجهاد قد يكون لحماية نفوذ الدولة المسلمة، ورد الصائلين عليها، كما قد يكون لأجل تبليغ الدين إلى الأمم والشعوب التي حال ساستها دون بلوغ دعوة الحق إلى أهلها، فأهل الإسلام يرون أن استنقاذ تلك الشعوب من الجهل والظلام والبعد عن الهدي واجب مناط بهم وإن أزهقت في سبيل ذلك أرواحهم مع أرواح الطغاة الحائلين بين الحق وعموم الناس، وكم من دواء قد كان مرًا.
وهذان النوعان من الجهاد هما اللذان يسميهما فقهاء الإسلام بجهاد الدفع، وجهاد الطلب.
أما جهاد الدفع فلا يكاد يعارضه معارض، بل هو غريزة جبل الله جميع الحيوانات عليها، إذ إن البشر كافة متفقون على دفع الصائل الذي يهاجمهم، وعلى الدفاع عن أنفسهم في حال مهاجمة الآخر لهم، وسعيه لأخذ أموالهم، أو التعدي على أعراضهم، أو استعمار بيوتهم.
وأما جهاد الطلب فيعنى الابتداء بفتح البلدان، فمن شرطه عند أهل الإسلام أن يكون في سبيل الله، لأجل إعلاء كلمة الله والتي لا يعوز أهل الإسلام إثبات أنها الأصلح والأجدر بالسيادة، فجهاد الطلب لا يشرع في قانون الإسلام لأجل تحصيل مصالح دنيوية، أو مكاسب مادية باستغلال ثروات الشعوب وطاقاتها، أو التعدي على حرماتها، أو إذلال أهلها، وقد تُوعد من قاتل مع المسلمين فغل شملة بالنار، وقد سئل نبينا - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، والرجل يقاتل حمية، فبين أن من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو الذي في سبيل الله.
وقد حذر علماؤنا - رحمهم الله - كما حذرت نصوص الشريعة من إرادة الإنسان بعمله الدنيا، ولهذا وغيره لا يبادر أهل الإسلام بالقتال قبل أن يُعرض منهجه، ويُدعى إليه، فإن رضيه الآخر كان أخونا، له ما لنا، يحرم دمه وعرضه وماله، فمن قال"لا إله إلا الله"فله حق الإسلام، وإن لم يرضه، ولكنه أذعن لحكمه، ولم يحل دونه ودون بلوغه غيره، فهو في ذمة الله التي يتوجب على المسلم حفظها ورعايتها.
ومن جميل فعال الإسلام تجاه الدول التي حاربها وقاتلها أنه يربط قتالها بمحددات وقيم ومبادىء شرعية عظيمة:
* فالأصل - كما ذكرنا - أن يكون كله لله، فلا رجاء لدنيا، ولا لمقامات عند الناس.
* كذلك فقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والولدان والأطفال والشيوخ نهيًا شديدًا كما في الأحاديث الصحيحة.
* كذلك فقد كان المسلمون يقدمون بين يدي قتالهم للأمم دعوتهم لها بالحسنى للإسلام كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في رسائله لملوك الروم، والفرس، ومصر، وغيرهم.
* وكذلك فقد رضي المسلمون من القرية التي يقاتلونها أن يرفعوا الآذان، لينتهوا عن قتالهم، وأن يكفوا عن محاربتهم.
* كذلك فقد نهى الشرع الحنيف عن المثلة والتمثيل بالمحاربين، وكذلك نهى عن ضرب الوجه، والتقبيح، والوسم عليه.
ولنا في نموذج صلاح الدين الأيوبي وقتاله في الحروب الصليبية النموذج الرائع في العدل، والحكمة، والرفق، والشفقة على الأمم؛ رغم أنهم جاءوا بجيوش عظيمة يريدون استئصال شأفة المسلمين، ولم يراعوا في ذلك - كعادتهم - طفلًا ولا شيخًا ولا امرأة، كما قتلوا المسلمين أثناء الصلاة، إلا أن صلاح الدين - كقائد مسلم عادل - أبي أن يعاملهم بالمثل، وكان نموذجًا للمروءة، والفروسية الإسلامية الحقة.
* كما أن هناك محددًا آخر لا بد من تبيينه ألا وهو أن هذا النوع من القتال يجب أن يكون تحت مظلة الخلافة الإسلامية, فالخليفة المسلم هو وأهل شورته هم الذين لديهم القدرة على اتخاذ القرار بالحرب للأمم المختلفة, فلا تصح نفرة الجماعات المتشرذمة، أو المتأولة، بل تصير عاصية للخليفة المسلم إذا ما تحركت من تلقاء نفسها, فقتال الطلب منوط بالسلطان المسلم، ولا يجوز لأحد غيره الإقدام عليه في ظل دولة الإسلام.
ولعل مبدأ القتال - من أجل إيصال الخير للناس وفقًا لما سبق - مبدأ نصت عليه كتب أهل الكتاب قبل كتب أهل الإسلام، كما أنه هو الواقع الذي حكمت به البلاد الشيوعية الحمراء أراض ممتدة عبر التاريخ الحديث، ولكن وفقًا لرأي ذويها القاصر، كحال أدعياء الحرية والديمقراطية اليوم.