فاتقوا الله أيها المسلمون: واعلموا أن الله سائلكم عن أعماركم وأعمالكم وأهاليكم، فإياكم أن يخوضوا فيما خاض فيه المبطلون، وأن يتيهوا مع التائهين الجاهلين، علموهم أن الحضارة لا تتنافى مع الإسلام بل الإسلام يدعوا إليها، ويدعوا إلى عمارة الأرض والإصلاح فيها،، يدعوا الإسلام إلى العناية بالروح -التي هي الأصل- أعظم من العناية بالجسد وإهلاك الروح، إن الجانب الإيماني في النفوس قد أهمله عالم اليوم إلا من بقي من المسلمين الصادقين، ولقد توجهت الأمم إلى المادة بدعوى التحضر والتقدم والتطور، ولكنها أهملت الجانب الأهم، والإسلام يأمرنا بالاهتمام بالروح والجسد، وإن كان الاهتمام بالجانب الإيماني أعظم وأكمل.
وإن ما يريده أعداء الله في زماننا هو أن ينشأ جيل لا يعرف دينه أو يعرفه معرفة مشوهة من أجل أن يحلو لهم تمرير كل ما يريدونه عليه، فالله الله أيها الناس بالتفهيم والتعليم والتربية الصالحة وإياكم من الاغترار بالعبارات الرنانة والكلمات النارية التي يطلقها الكفرة والمنافقين، وهم بذلك يلمزون الدين وأهله، ويصفونهم بأنواع النعوت والتهم، ويعظمون الكافرين وأفكارهم وأعمالهم..
اللهم أصلح من في صلاحه صلاح لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأهلك من في هلاكه صلاح لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وصل ربنا وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
1 هذه الأقسام الثلاثة للحضارة نقلناها من موقع:"موسوعة الأسرة المسلمة".
2 للاستزادة انظر: مقدمة ابن خلدون (3/871 - 879) .
3 راجع مقالا في: مجلة البيان، العدد (183) صـ ( 122) . بعنوان:"مآلات الحضارة"للدكتور:"مصلح عبد الحي النجار"..
4 راجع مقالا في:"مجلة البيان"، العدد (136) صـ (105) ، بعنوان:"أي حضارة نريد؟!"لـ:"بدر مرزوق العتيبي".
الظاهرة الحضارية في القرآن والسنة
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 159)
الظاهرة الحضارية في القرآن والسنة
الدكتور / عبد الحليم عويس
بين الوجود التاريخي والوجود الحضاري:
إن ميلاد الحضارة لا يعني أن أمة ما قد ظهرت - فجأة - في التاريخ ، فإن هذا الوجود التاريخي للأمم إنما هو فعل قدري بحت لا يملكه إلا خالق الوجود سبحانه وتعالى .
وإنما يقصد بميلاد الحضارة ظهور إرادة بشرية وجدت لديها عناصر الانطلاق والإبداع ، فسعت إلى أن تقوم بدور حضاري ، مستعلية على مجرد وجودها التاريخي الذي تشترك فيه معها سائر الكائنات النباتية والحيوانية .
إن هذا الوجود التاريخي هو وجود عام لا فضل فيه للإنسان ، وهو لا يحتاج في استمراريته في المستوى الأدنى إلا لتعبير غريزي عن الحاجات الضرروية يشبه أن يكون في مستوى التعبير الحيواني عن حاجاته ، وأساليب الإنسان قد لا تختلف كثيرا عن أساليب الحيوان في توفير هذه الحاجات والاستجابة لها .
أما الوجود الحضاري فهو وجود مختلف تماما عن هذا الوجود سواء في إطار (درجاته ) أو في إطار (أساليب ) التعبير عن هذه الحاجات والاستجابة لها .
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 160)
إن هذا الوجود الحضاري يقوم بدرجة أساسية على الإنسان نفسه ، فإليه - بإرادته ووعيه ، وحركته - يعزى الفضل الأول في القيام بأية حضارة إنسانية ، وذلك - بالطبع - بعد عون الله وإذنه .
إن الحضارة الإنسانية هي تعبير فطري عن حاجة إنسانية يتميز بها الإنسان من سائر الكائنات ، ففي داخل كل إنسان - فردا أو جماعة - حاجة تلح عليه وتؤكد له . . . عبر عدد من النوازع والسلوكيات أنه شيء متميز عن الكائنات الأخرى إنه يحس باختلافه عن مستواها ، ويحس بأنه قادر على ما لا تستطيع هي أن تقدر عليه ، ويحس بأنه يستطيع أن ( يسمو ) لدرجة لا تستطيع الكائنات التي تشاركه في الأرض أن تصل إليها .
-ليكن هذا الشيء المتميز روحا تشعره بالعلو . . . وبنفحة إنسانية خاصة ، أو ليكن هذا الشيء عقلا يعقل ويتسع لرؤية الماضي واستشراق المستقبل حيث لا يستطيع غيره من الكائنات أن يمد الطرف إلى الماضي أو المستقبل .
-ليكن هذا أو ذاك ، فالمهم أن ( الحضارة ) - أي الاستعلاء فوق الوجود المادي التاريخي - هي شيء فطري يحس به الإنسان في كيانه الداخلي ، ولعلي ألمح هذا الشيء - بصورة ما - في قوله تعالى: سورة الأحزاب الآية 72 إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ وقوله: سورة الأنعام الآية 165 وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ .
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 161)
منظومة بناء الحضارة وعناصرها الثلاثة:
إن بناء الحضارة هو قرار إنساني يعتمد على الإنسان والفكر ، ثم الأشياء ، وبالتالي فصناعة الإنسان للحضارة - عندما تتوافر لديه الإرادة والوعي - تحتاج لثلاثة عناصر أساسية لا غنى لواحد منها عن الآخر:
1 - ( إنسان ) مؤهل للقيام بالدور الحضاري المطلوب ، معد نفسيا وأخلاقيا لتحمل المسئولية ، ويدخل في عنصر الإنسان ( الزمان ) باعتبار الإنسان حقيقة زمانية ، لا تنفصل عن الزمان ، ووجوده وجود زماني بدرجة كبيرة .
2 - ( فكر ) يقود خطوات الإنسان ويلهمه ويدفعه إلى التضحية والإيثار وقد يسمي بعضهم هذا الفكر بالعقيدة ، ويسميه آخرون بالثقافة ، أو الجانب المعنوي للحضارة .
3 - ( أشياء ) يستطيع الإنسان أن يجد فيها المواد الخام المادية التي يبرز من خلالها فكره ، وقد يسمي بعضهم هذه الأشياء بالجانب المادي في الحضارة ، أو يطلق عليها بعضهم مصطلح ( المدنية ) ويسميها بعضهم ( بالأرض أو التراب ) انظر مالك بن نبي شروط النهضة ، فصل التراب .
وهكذا فلا حضارة إنسانية إلا بهذه المنظومة الثلاثية انظر بتصرف مالك بن نبي: ميلاد المجتمع:
1 -إنسان ( كينونة وزمان ) .
2 -فكر ( عقيدة وثقافة ) .
3 -أشياء ( التراب ورأس المال وشتى العوامل المادية ) .
وهذه المنظومة بعناصرها الثلاثة تحتاج - لكي تبقى فاعلة ومؤثرة - إلى أن تتوازن النسب بينها ، ويعطى كل عنصر قدره في المرحلة التاريخية
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 162)
التي تمر بها الحضارة . . . ولا تسقط الحضارات لأنها خلو من هذه العناصر ، بل إنما تسقط الحضارات عندما تطغى نسبة عنصر على عنصر ، فعندما يعبد الإنسان الفرد ، ويصبح هو الهدف ، وتصاغ الحياة - بوسائلها وأهدافها - من أجل استمتاعه يقع الخلل ، وأيضا عندما يطغى الفكر ويذوب الإنسان فيه على حساب ( الإنسان ) أو ( الأشياء ) فيترك العمل ، ويصبح الفكر لمجرد الفكر ، ويريد بعضهم أن يصوم فلا يفطر ، ويقوم آخر فلا ينام ، ويترهبن ثالث فلا يتزوج إشارة إلى الحديث الشريف المعروف . هنا يطغى تألق ( الفكرة وتهدد الحياة بالخلل ، ويجب تقويم الميزان ، وتحقيق العدل بين العناصر .