1 ـ في مجال التربية والتعليم، وإليه يعزى السبب الأول لتخلف الأمة نتيجة الازدواجية التي تؤثر في إعداد العقلية الاسلامية.. والتي جعلت التعليم مجرد وسيلة للحصول على شهادة متوسطة أو عليا لا تعبر في أغلب الأحوال عن المستوى الذي يناظرها في الدول المتقدمة. وفقد نظام التعليم في جميع مراحله القدرة على إعداد وبناء متخصصين على مستوى جيد، خاصة في المجالات العلمية: النظرية والتطبيقية والتقنية.
2 ـ في مجال الثقافة العلمية: نجح النموذج الغربي في تكوين ذيول أو عمالة ثقافية في الدول النامية تروج لفلسفة العلم الغربية التي تدعو جميعها إلى تهميش دور الدين وإبعاده عن دائرة التأثير.. وتطوع هؤلاء السلفيون للنموذج الغربي والثقافة الغربية، تطوعوا من خلال المنافذ المتاحة لهم في أجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية لنشر ثقافة التغريب والدعوة إلى مقاطعة الماضي الذي لم يجدوا فيه شيئًا على الإطلاق يفيد حاضرنا أو مستقبلنا..
3 ـ في مجال البحث العلمي لم يتناسب العائد كمًّا وكيفًا مع الإمكانات والقدرات والأموال التي تنفق دون ترشيد، بالرغم من آلاف الخريجين الذين تخرجهم أكثر من 250 جامعة و 350 معهدًا متخصصًا ونحو ألف مركز وأكاديمية للبحوث العلمية والتقنية، موزعة في مختلف دول العالم الاسلامي.
وإذ ما قبلنا هذا التشخيص لحالة العلم والتقنية في العالم الاسلامي فإنه يمكن تحديد صور التحدي التي تواجه الأمة بصورة إجمالية فيما يأتي:
1 ـ على المستوى الفكري لا بد من تفنيد المزاعم المعادية للاسلام دينًا وتاريخًا وحضارة، والموجة لاتساع الفجوة العلمية والتقنية واستحالة اجتياز حالة التخلف العلمي والتقني التي تعيشها الأمة الاسلامية استنادًا إلى الفهم الواعي لطبيعة التقدم العلمي والتقني الذي يسير في شكل موجات أو أجيال، إذا فاتنا الإسهام في جيل منه، فلا يعني هذا أننا لا نستطيع اللحاق بالأجيال التالية.. وهناك مجالات يمكن أن تحقق الأمة فيها تفوقًا على غيرها إذا ما أحسنت الإفادة من الثروات والإمكانات المتوفرة لديها.. مثال ذلك: أبحاث الطاقة الشمسية، والطاقة المائية، وتقنيات زراعة الأنسجة النباتية وصناعة الدواء من الأعشاب الطبية، والمعلوماتية، بالإضافة إلى إحراز التفوق في بعض العلوم التي تتنازعها اختصاصات متعددة مثل علوم الفضاء والعلوم البيئية وغيرها.
2 ـ لا شك أن إصلاح التعليم لإعداد الباحث الجيد يعتبر من التحديات التي تحتاج إلى مواجهة تأخذ في الاعتبار طبيعة المجتمع الاسلامي وقيمه، إلى جانب الاسترشاد بالنماذج الناجحة في الدول التي مرت بنفس ظروفنا ومتابعة برامج الإصلاح لمختلف عناصر العملية التعليمية المتمثلة في المعلم والمتعلم والمنهج والمكان (المدرسة، المعمل، المدرج...) والمجتمع، وهي ما نسميها (( الميمات الخمسة ) )وتحتاج في نظرنا إلى درايات نظرية وميدانية خاصة يعرف أصولها علماء التربية.
3 ـ كذلك يشهد واقع البحث العلمي في الجامعات ومراكز البحوث على كثرتها ـ بأن الوقت والجهد يضيعان سدى ـ ناهيك عن الأموال ـ بسبب غياب التنسيق العلمي بين الباحثين أنفسهم، فضلًا عن غيابه بين مختلف المؤسسات العاملة في ميدان البحث العلمي والمتصلة به ويأتي هذا العامل في مقدمة التحديات التي تحول دون نهضة علمية إسلامية متكاملة، ويمكن التغلب على هذه العقبة بإنشاء (( اتحاد علمي إسلامي ) )يضع السياسات العلمية والتقنية الدقيقة والمستقرة من واقع الإمكانات المتاحة للأمة الاسلامية، ويعمل على تحقيق التكامل بين البرامج العلمية الإقليمية، ويقضي على العزلة القائمة حاليًا بين العلم الاسلامي والعلم العالمين ويسهل متابعة كل ما يستحدث في مجال إنتاج المعرفة.
وهذا كله يتطلب بطبيعة الحال رعاية مالية سخية من القادرين، أفرادًا ودولًا ومؤسسات، خاصة وأن العلم في عصرنا أصبح صناعة ثقيلة ومكلفة.
وقبل هذا كله لا بد أن تتوافر الإرادة القوية لدى أبناء الأمة الاسلامية لتغيير واقعهم المرير، برفع شعار (( الأسلمة في مواجهة العولمة ) )وصدق الله العظيم حيث يقول: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) سورة الرعد: 11، ويقول: (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) سورة الأنعام: 153.
محو الحضارة العراقية من التاريخ
د.أكرم عبد الرزاق المشهداني (*
مخطئ من يظن أن السقوط الحقيقي الذي حدث في بغداد هو لحظة إسقاط (صنم ساحة الفردوس) ولكن الصحيح أنه كان في لحظة كسر أبواب المتحف العراقي تحت سمع ومشهد ورضا قوات الغزو الأمريكي، وترك المتحف نهبًا للّصوص بأنواعهم، ولا يقصد بذلك الدلالة الرمزية لهذا الحدث المأساوي فقط، وإنما يؤشر كذلك إلى الدلالات الاعتبارية والاقتصادية في آن واحد.
إذا ما لاحظ المرء أن أصغر حضارةٍ عمرًا في التاريخ (الولايات المتحدة الأميركية) قد فرضت الغزو والهيمنة على أقدم حضارة، تكون الدلالتان الرمزية والمادية متبلورتين أمام الناظر؛ لذا تؤكد وسائل الإعلام سوية مع المنظمات المتخصصة في العالم الغربي، على حقيقة مريرة مُفادها أن عملية النهب سواء كان المنظم أم الاعتباطي للمواقع الأثرية في العراق مازالت تجري على قدم وساق، إذ تستدل هذه الجهات على هذه الحقيقة عن طريق انتشار تجارة اللقى الأثرية والتحف الفنية العراقية التي لا تقدر بثمن في أسواق العالم، خاصة في الدول الغربية. هذا ما حدا بالصندوق العالمي للآثار لإدخال بلد بكامله (العراق) في حقل المناطق الأثرية المهددة. وهذا لا يشكل سوى الرأس المنظور من جبل الجليد الذي يخفي كتلته الأكبر مغمورة تحت مياه المحيط المظلمة!
وإذا ما كانت بعض اللقى والقطع الأثرية قد شوهدت في"التداول"بأسواق لندن ونيويورك وسواهما من العواصم التجارية الكبرى، فإن حجم أو كم هذا النوع من"السلع"الثمينة يبقى كبيرًا وخافيًا نظرًا لأن تداولها محظور دوليًا، ولأن هذه القطع الفنية تمثل العبقرية الجماعية لإنسان حضارة وادي الرافدين.
نهب تحت حماية الأباتشي
من يتذكر وقت اجتياح العراق ، يعرف تمامًا كيف ساهمت هذه الدول وعلى رأسها أميركا بنهب الآثار العراقية جملة وتفصيلًا، ويعرف كيف كان يتم النهب المنظم بحماية الأباتشي والأسلحة الأميركية المختلفة وصورّت وقتها وسائل الإعلام هذا الحدث المهم ونقلوا الكاميرا إلى مقر وزارة النفط العراقية حيث احتشدت الدبابات الأمريكية تمنع حتى الموظفين العراقيين من الاقتراب من هذه الوزارة، يومها وبكل صفاقة طالعتنا"كونداليزا رايس"بتصريح استغربت فيه الحديث عن حماية وزارة النفط والسماح بنهب الآثار!!.. ومن ذلك اليوم حتى يومنا هذا شهدت العاصمة العراقية والمناطق الأثرية نهبًا متزايدًا للآثار، ومن الجدير ذكره أن بعض هذه القطع الأثرية ظهر في فرنسا ودول أوروبا، وبعضها الآخر تم ضبطه مع الجنود والإعلاميين الأميركيين الذي حاولوا تهريب هذه القطع إلى الولايات المتحدة الأميركية.
وعلى إثر كارثة بل فضيحة نهب آثار العراق، فقد استقال رئيس اللجنة الاستشارية للبيت الأبيض للشؤون الثقافية مارتن ساليفن يوم 14 أبريل 2003 أي بعيد احتلال بغداد بأسبوع، معتبرًا أن نهب متحف بغداد كان مأساة يمكن توقعها ومنعها. وقد أثار نهب المتحف استنكارًا دوليًا وتعبئة واسعة من أجل منع تشتيت هذا التراث الذي يمثل ذاكرة البشرية.