فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 2255

ما ذا يريد الاستشراق هل يريد المعرفة وحدها فقط أو إنه يريد أكثر من ذلك؟ من غير المنطقي أن نحكم على كل الباحثين في الدراسات العربية الإسلامية ( الاستشراق سابقًا) بأنهم يعملون لصالح بلادهم وأجهزة المخابرات كما كان شائعًا في الكتابات النقدية العربية الإسلامية. فإن المستشرقين في نظر محمود شاكر وحسين الهراوي ومحمد البهي وغيرهم لا يمكن الأخذ بها بعد أن توسع المسلمون في الاطلاع على الكتابات الاستشراقية وكان لهم لقاءات وحوارات مع هؤلاء من خلال المؤتمرات العلمية أو التدريس في الجامعات الغربية أو المراسلات. لكننا لابد أن ندرك أن العالم الغربي في حاجة إلى المعرفة الاستشراقية فهو يقدم لها الدعم المادي والمعنوي. والدليل على هذا الدعم أن الحكومة البريطانية كونت لجنتين لدراسة أوضاع الدراسات الشرقية والأفريقية الأولى عام 1947 بعد نهاية الحرب العالمية الأولى ، والثانية عام 1961. وقد استفادت اللجنة الثانية من تجربة الجامعات الأمريكية وظهور ما يسمى الدراسات الإقليمية أو دراسات المناطق. كما أفادت اللجنة من زيارتها لجامعتين كنديتين في هذا المجال.

قدمت كلتا اللجنتين تقريرهما إلى الحكومة البريطانية ( كل تقرير فيما لا يقل عن مائتي صفحة) تقترحان مزيدًا من الدعم لهذه الدراسات بتخصيص منح دراسية وتمويل لإنشاء مزيد من الأقسام العلمية وإجراء البحوث الميدانية . وأكدت الدراستان أهمية هذا الفرع المعرفي وأن اللابد بحاجة إلى متخصصين في شؤون العالم الإسلامي.

أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد بدأ اهتمامها الفعلي بالدراسات الاسشتراقية المعاصرة بعد الحرب العالمية الثانية وانحسار النفوذ البريطاني في العالم الإسلامي وتلاشي إمبراطوريتها التي كانت لا تغيب عنها الشمسلتحل الولايات المتحدة محلها. وكانت بحاجة إلى الخبراء في هذا المجال فأصدرت الحكومة الأمريكية عدة مراسيم حكومية تمول بموجبها عددًا من برامج الدراسات العربية والإسلامية في العديد من الجامعات الأمريكية. وقد بلغ عدد هذه الجامعات أربعًا وعشرين جامعة. وتقوم هذه الجامعات بتقديم دورات في تعليم لغات الشرق الأوسط وفي تاريخ المنطقة وأوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولدعم هذه البرامج استقدمت الولايات المتحدة العديد من الخبرات الأوروبية في هذا المجال ومن أبرزهم المستشرق هاملتون جب وجوستاف فون جونباوم النمساوي الأصل الذي قام بتأسيس مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس - أطلق اسمه على المركز فيما بعد- وقد قام هاملتون جب بتأسيس مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد. كما استقدمت جامعة برنستون فيليب حتى لتأسيس مركز لدراسات الشرق الأدنى .

ليس من هدف لهذه المقالة أن يقوم الجهود الاستشراقية ولكني أريد أن أخلص إلى الدروس والعبر التي يمكن أن يستخلصها المسلم من هذه الدراسات والجهود الضخمة التي يبذلها الغرب في التعرف إلى ثقافات وتاريخ وأديان وعقائد الشعوب الإسلامية. ولعل من أول هذه الدروس أنه على المسلمين أن يسعوا إلى معرفة الآخر معرفة حقيقية وأن ننهج نهج القوم في التخطيط لهذه الدراسات. ولكنني أود أن أؤكد أن القرآن الكريم قد وجه المسلمين إلى معرفة الآخر وكان الآخر في وقت نزول القرآن يتمثل في الروم والفرس وعرب الجاهلية فأوضح للمسلمين معتقداتهم وسلوكهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. ومن أجمل ما قرأت في تصوير نظرة الجاهليين للمرأة قول الله تعالى { وإذا بشّر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بُشّر به ، أَيُمسِكُه على هونٍ أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون}

أما الهدف الثاني فإن للعالم الإسلامي مصالح لدى الدول الغربية ومن واجبه أن يعرف هذه البلاد معرفة عميقة ودقيقة مبنية على دراسات علمية وميدانية حتى يتسنى له تقويم هذه المصالح والسعي إلى تحقيقها بأفضل السبل. ونحن إن لم نسعى إلى معرفتهم فإننا سنخضع للتصورات الغربية التي يريدونها وبخاصة أنهم يمتلكون معظم وسائل الإعلام والانتاج الفكري. وقد قررت ندوة أصيلة أو منتدى أصيلة إنشاء مركز الدراسات الأمريكية ونحن بحاجة في العالم الإسلامي إلى مراكز كثيرة لدراسة العالم الغربي كله وليس الدراسات الأمريكية فحسب.

أما الأمر الأهم فإن هذه الأمة مكلفة بتعريف العالم بهذا الدين العظيم الذي أنزله الله سبحانه وتعالى إلى البشرية كافة وعلى كل فرد مسلم أن يتحمل مسؤوليته في هذا الشأن كما جاء في قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي } ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم ( نضّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها إلى من لم يسمعها فربّ مُبَلًّغٍ أوعى من سامع ، أو رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)

إشكاليات الثقافة في عصر العولمة

أحمد دعدوش

في عام 1970، نشر الكاتب والمفكر الأمريكي"ألفين توفلر"كتابه الشهير"صدمة المستقبل"، محللًا فيه الكثير من مظاهر الإرباك التي يتعرض لها الإنسان في العصر الحديث، وخاصة ذلك الذي يعيش في معمعة التقدم التقني الهائل في الغرب، وخرج بنتيجة مفادها أن الإنسان (فردًا وجماعات) يتعرض باستمرار لضغوط"صدمات"هائلة, عبر التغيرات الكبيرة في الظروف الحياتية التي يعيشها , وذلك خلال فترات قصيرة جدًا، وأن القدرة على التكيف معها غالبا ما تكون محدودة.

وبالرغم من أن البعض سيتمكنون من التلاؤم مع الأوضاع الجديدة ويسعدون بها، إلا أن الكثيرين سيواجهون هذه الصدمات بردود فعل مختلفة، قد تبدأ بنوع من النفور والقلق وعدم التجاوب مع تغيرات العصر، مرورًا بحالات من الاكتئاب والجنون، وربما وصولًا إلى العنف!

لقد تجسد هذا الموقف بالفعل في المجتمعات الغربية وبشكل حاد خلال الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية ، فمع توفر المزيد من وسائل الترف ومواد الاستهلاك ، وإقحام أحدث مبتكرات العصر من مظاهر الرفاهية في الحياة اليومية لكل فرد، تحولت هذه الشعوب إلى المزيد من الطلب والاستهلاك، وصولًا إلى الإباحية المطلقة وضياع الهوية والانضباط، والبحث عن الملذات بشكل محموم لإرواء الشبق الذي انطلق كانفلات العملاق من قمقمه.

ولما كان هذا الطلب اللامحدود غالبا ما يصطدم بقدرة محدودة على الإشباع للوصول إلى النشوة، فإن الهروب من الواقع كان في رأي الكثيرين حلًا ممتازًا لإخماد هذه الثورة، فظهرت عقاقير الهلوسة والمخدرات والمسكرات على اختلاف أنواعها بدور المنقذ، واعتبرت مخلصا سريعا للقضاء على أي رغبة عقلية للإحساس بهذا الضياع، في الوقت الذي يسمح فيه للأعصاب المنهارة باستجداء خيط رفيع متبق كشعور أخير باللذة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت