فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 2255

إن الإسلام لم يمنع من أخذ المفيد من مخترعات هذه المدنية ومبتكراتها، وأبحاثها وتقنياتها، لكنه يرفضل أمراضها المُدنِفة، وأسقامها المتلفة، ودواهي كُنفها الشارعة، ومتاعبها السائلة، التي تنجس كل من برز إليها، وتدنس كل من عبر عليها.

أيها المسلمون:

ما فائدة حضارة ينحدر فيها مستوى الإنسان إلى العبودية لغير الله ليصبح عبد ديناره ودرهمه، عبد شهوته ومادته ورغبته، ويسقط في التعاسة والانتكاسة كما تعست وانتكست البشرية التي تسيطر عليها هذه المدنية المعاصرة، يقول رسول الهدى: (( تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش ) ) [أخرجه البخاري: 2887] .

إن من المؤسف حقًا أن يقف بعض من هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا سماسرة للغرب، يتشدقون بتضخيمه وتعظيمه، ويدعون بكل صفاقة إلى تقليده واحتذاء أساليبه، معاول هدم وتخريب، ودعاة ضلال وتغريب، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها.

يدعون إلى ذلك وكأنهم لم يعلموا عن تلك الصيحات والنداءات التي توالت وتعالت عن عقلاء الغرب أنفسهم تنذر بأخطاء هذه المدنية التي تعيش بلا روح، وتدعو إلى الإنقاذ والإصلاح قبل فوات الإبان والإمكان، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى الارْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَاكِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة:11-12] .

أيها المسلمون:

إن الواجب على جميع المسلمين رعاة ورعية أن يعلموا أصول هذه المدنية، ويقفوا على أهدافها وأدوائها، وأضرارها وسائر الخيوط المرتبطة فيها، وأن لا يستوردوا إلى بلادهم أو يدخلوا بيوتهم عادات سيئة، وأخلاقًا ذميمة، وسننًا جاهلية، صنعتها أيدي أعدائهم، لإضلالهم وإغوائهم، يقول رسول الهدى: (( أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحدٌ في الحرم، ومبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطّلِب دم امرئٍ بغير حق ليهريق دمه ) ) [رواه البخاري: 6882] .

أيها المسلمون:

إنكم تملكون شريعة ربانية تحقق لكل من تمسك بها البقاء والنماء، والرفعة والارتقاء، شريعة تضيء كل ديجور، هي نور على نور.

والإسلام هو الجدير بإنقاذ بالبشرية من بؤسها ويأسها، وهو الكفيل وحده بإسعادها، صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ [البقرة:138] .

فاعتزوا بدينكم، واحذروا الانجراف إلى الغاوية، أو السقوط في الهاوية، واحموا أنفسكم وأهليكم، ولوذوا بالله مما تحذرون، وارمقوا العواقب بمقلِ الفِكَر، وادرِعُوا لهذه الفتن بمدارع الحذر، فإن سهام إبليس نافذة، والقلب يتأثر بأدنى مؤثر، ويتكدر بأيسر مكدر، كما تتأثر العين بلطيف القذى، والمرآة بيسير الأذى.

أيها المسلمون:

لقد نصب لنا رسول الله عَلمًا، نهتدي به في كل مواقع الفتن، حيث قال بأبي هو وأمي صلوات الله وسلام عليه في الفتن: (( من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأً أو معاذًا فليعذ به ) ) [متفق عليه، البخاري: 7082، ومسلم: 2886] .

وقال عليه الصلاة والسلام في فتنة الدجال: (( من سمع بالدجال فلينأ عنه - أي فليبعد عنه - فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات ) ) [أخرجه أبو داود: 4319، وغيره] .

ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

عباد الله:

اتقوا الله وراقبوه، وأطيعوه ولا تعصوه يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] .

أيها المسلمون:

إنّ كلًَّ مسلم غيور على دينه يجد في نفسه ألمًا وأسًا عميقين حين يلمس تأثر المسلمين بتلك الحملات الصليبية الصهيونية، ويتعاظم الأسى حين يرى ذلك التأثر يزداد يومًا بعد يوم، ولكنّها سنة الله في خلقه، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31] .

أيها المسلمون:

بالابتلاء والاختبار تتميز المعادن الطيبة، وفي المعارك القاسية تظهر النفوس الأبية من النفوس الرديّة، والناس معادن، منها الجوهر النفيس، ومنها الفلز الخفيف، منها العادات الطيبة التي يطيب نباتها ويزكو ريحها.

ومنها السباخ الخبيثة الذي يضيع بذرها، ويبيد زرعها، فاتقوا الله عباد الله، وأصلحوا ما فسد من أحوالكم، والزموا درب العبودية لربكم، فعن معقل بن يسار رضي الله عنه أن رسول الله: (( العبادة في الهرج كهجرة إليّ ) ) [رواه مسلم: 2948] .

يا شباب الإسلام:

ارفعوا رؤوسكم واعتزوا بدينكم، واحذروا التشبه بالكفرة في عاداتهم الفاسدة، وتقاليدهم الساقطة، وخصالهم الذميمة، واحذروا لوثات هذه المدنية، وقاذوراتها.

يا ابن الهدى، يا فتى القرآن، دعك من الأوهام، جلجل أمر الله أن أفق، أنت الخليف لما أتته من أكلٍ، أنت الطهور على أدرانها اندفق.

قُلْ ياأَيُّهَا الْكَافِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ [سورة الكافرين] .

عباد الله:

إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته المسبحة بقدسه، وثلّث بكم أيها المؤمنون من جنّه وإنسه، فقال قولًا كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

من واقع الحضارة الغربية

السفر إلى المشرق

أبو البراء عبد العزيز بن محمد

(سوزان ليليث) طفلة أمريكية في الثانية عشرة من العمر ، تقول: إنني لا أرى والدي كثيرًا ، وهو مرهق باستمرار ، وكذلك أمي ، عندما أبلغ الثامنة عشرة أريد أن أهاجر وحيدة إلى الهند.. ، المدرِّسة قالت لي:إن البيوت هناك كثيرة ، وإن الناس يجلسون في الطرقات ويتحادثون ، المدرسة قالت لي أيضًا: إن الهند يقدسون البقرة ، وأنا لم أر بقرة في حياتي إلا على شاشة التلفزيون أو في الكتب.. ، لا أريد أن أبقى هنا.. ، لا أريد أن يتجعد وجهي مثل أمي ، إنني أنوي السفر إلى المشرق...

الوحدة القاتلة

(بيتو لاهايت) عجوز في الخامسة والسبعين من أصل إرلندي ، وتعيش منذ خمسين عامًا في مدينة (أوتاوا) الكندية ، تقول:

إنني أعيش وحيدة.. أولادي وأحفادي يعيشون في مونتريال ، أتلقى منهم الرسائل بانتظام ، وأشعر أن عملية تناول الرسائل باتت (ميكانيكية) ، لأنها خالية من الود الحقيقي.. ، هذا ليس ذنبهم. . ، أعود ستين عامًا إلى الوراء ، عندما كانت حياتنا أشبه بالمهرجان الدائم ، الآن تبدل كل شيء ، ويبدو أن الناس كلهم يسيرون"في جنازة هم الأموات فيها"

العائلة والموت

["أنقذوا العائلة من الموت"هذا النداء (الدراماتيكي) أطلقه العالم الاجتماعي الفرنسي (برنارد أوديل) ، وهو النداء الثالث الذي يطلقه خلال الثلاثين سنة الماضية.

كان الأول:"أنقذوا العائلة من الاستلاب"

وكان الثاني:"أنقذوا العائلة من التفتت"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت