الحضارة
خالد أبو الفتوح
لم يدُر بخَلَدَي قبل أن أشرع في الكتابة عن مصطلح (الحضارة) أن مصطلحًا بمثل هذا الانتشار يكتنفه غموض وإبهام كالذي رأيت؛ فهذا المصطلح ـ غير العربي نشأةً ـ أحد الترجمات لمفردتين في اللغات الأوروبية منبثقتين عن جذرين لاتينيين يختلف كل منهما عن الآخر، وقد نقل بعض (المثقفين) العرب معاني هاتين المفردتين الأوروبيتين إلى اللغة العربية وفرغوها في ألفاظ عدة حسب فهمهم لهذه المعاني وتلك الألفاظ، كان منها: (الحضارة) .
فإذا علمنا أن الكلام على (الحضارة) يتشعب في كتب التاريخ والاجتماع والفلسفة والآداب والسياسة والجغرافية والعلوم...، وإذا أضفنا إلى ذلك أن عالمي الإنثروبولوجي (علم الإنسان) ألفريد كروبر، وكلايد كلوكهون كانا قد أحصيا سنة 1952م ما يزيد عن (164) تعريفًا لـ (الحضارة) في اللغات التي نشأت دلالة المصطلح وتطورت فيها.. اتضح لنا حجم الاختلاف في تحديد مفهوم هذا المصطلح.
ولأن المصطلح نشأ وتطور خارج البنية اللغوية العربية فليس من المناسب أن نذهب ـ كما يفعل بعض الباحثين في مثل هذه المصطلحات ـ إلى المعاجم العربية لنبحث في مادة (ح ض ر) ثم نلوي بعض المعاني العربية لتتسق مع هذا المفهوم أو ذاك، أو نبتسر بعض هذه المفاهيم الغربية لتتفق مع معنى اللفظ العربي، ولكن ينبغي أن نذهب إلى المصطلح في لغته الأم، لنحاول الوقوف على معانيه الأصلية، ثم على المفاهيم التي انبثقت من هذه المعاني وتطورت عنها، وعلينا بعد ذلك أن ننظر في مدى مطابقة هذه المفاهيم للفظ العربي، وأن نبحث في مدى موافقتنا على هذه المفاهيم والمعاني، وفي أنسب الألفاظ لهذه المعاني والمفاهيم.
الحضارة في اللغات الأوروبية:
انتقل المفهوم الغربي إلى لفظ (الحضارة) العربي ـ وأيضًا إلى لفظي (المدنية) و (الثقافة) ـ عبر ترجمة لفظ Civilization التي تعود إلى اللفظ اللاتيني Civits، وأيضًا عبر ترجمة لفظ CltR e التي تعود إلى الجذر اللاتيني CltR a؛ لذا علينا البحث في معاني هذين اللفظين:
أولًا: تطور مفهوم (Civilization) :
اشتقت Civilization من اللاتينية Civis التي تعني المدني أو المواطن الساكن في المدينة، وهذا المعنى قريب من المعنى المقصود في كلام الفلاسفة العرب الذين تأثروا بالترجمات اليونانية عندما كانوا يذكرون أن (الإنسان مدني الطبع) ، ويعنون بذلك: أنه (اجتماعي) ، فمدني هنا كانت تعني: (أهلي) ، أي: إنه غير وحشي، وكان هذا الاشتقاق غير متداول حتى القرن الثامن عشر، غير أن الكلمة Civilization لم تنتشر بوصفها اصطلاحًا على (الحضارة) خلال هذا القرن، حتى إن أحد الكتاب رفض إدخالها في قاموس لغوي كان يؤلفه مفضلًا المصطلح القديم Civility الذي يحمل معنى الكياسة واللطف، وفي الوقت نفسه يعكس احتقار أهل المدن للريفي وللبدائي الهمجي .
وفي القرن الثامن عشر أيضًا استخدمها الموسوعيون الفرنسيون ـ قبل صياغة كلمة (رأسمالية) ـ لتناقض النظام الإقطاعي، وهي أيضًا قريبة من أصل المعنى؛ حيث تتناقض المدينة وحركتها الصناعية التجارية مع الإقطاع، كما أن صفة الانعتاق والتحرر تتعلق بكلمة Civilization التي قد تعني التقدم والسير إلى الإمام.
وقد عنت Civilization عند اشتقاقها: عملية (اكتساب) الصفات المحمودة، وبخاصة الألطاف الفردية والاجتماعية، ثم تطورت لتدل على النتيجة الحاصلة، أي: حالة الرقي والتقدم في الأفراد والمجتمعات (التحضر) .
وفي القرن العشرين ساعد أوزفالد إشبنجلر وأرنولد توينبي وآخرون على إعطاء معنى آخر لـ Civilization ـ إضافة إلى عملية (التحضر) ـ وهو كون الكلمة تدل على وحدة حضارية تاريخية معينة؛ فالمعنى الأول مقصود به التقدم أو التحول الإنساني بشكل عام من مستوى إلى مستوى آخر أكثر تعقيدًا أو تطورًا من حيث التقنية المستخدمة أو الثقافة السائدة، وفي هذا السياق يقال: حضارة بدائية، أو حضارة الآلة، أو حضارة دينية.. أما المعنى الثاني فيعني حضارة شعب بعينه أو منطقة بذاتها، فيقال: الحضارة الفرعونية، أو حضارة قبائل المايا، أو الحضارة الصينية...
وعمومًا فإن الكلمة تستخدم اليوم في اللغات الغربية ـ في الأغلب ـ بصورة مطلقة لكلا المعنيين، وإن اختلفوا في ماهية المقصود منها؛ فهي عند الباحثين الإنجليز تعني الحضارات العليا، ويستعملها الفرنسيون بمعناها الشامل (المادي والمعنوي) ، أما عند الباحثين الأمريكيين والألمان فهي تعني الجوانب المادية أو التكنولوجية من الحضارة، وغالبًا ما يستعمل الألمان Civilization للدلالة على أن الحضارة في طريقها إلى الاحتضار.. ولكنهم جميعًا يتفقون على أن الكلمة تدل على: نمط ما من الحياة الاجتماعية مكتسب ومشتق من المدينة.
ثانيًا: تطور مفهوم: (Clt صلى الله عليه وسلم e) :
أُخذت Clt صلى الله عليه وسلم e عن اللفظة اللاتينية (Clt صلى الله عليه وسلم a من فعل Cole صلى الله عليه وسلم e) بمعنى حرث أو نمّى، وقد ظلت اللفظة مقترنة بمعنى حراثة الأرض وزراعتها طوال العصرين: اليوناني، والروماني، ومع أن شيشرون استعملها بالمعنى المجازي داعيًا الفلسفة: (Clt صلى الله عليه وسلم a mentis) أي: زراعة العقل وتنميته، إلا أن هذا الاستعمال ظل نادرًا في اللغة اللاتينية.
وفي القرون الوسطى أُطلقت الكلمة في فرنسا على الطقوس الدينية، وفي عصر النهضة الأوروبية اقتصر مفهوم Clt صلى الله عليه وسلم e على مدلوله الفني والأدبي، وبدأت الكلمة في أوائل العصور الحديثة تستعمل في الإنجليزية والفرنسية بمدلوليها المادي والعقلي، مع إضافة الشيء المقصود بالتنمية"ذكاء ـ معرفة ـ مهارة ـ زراعة...".
فلما كان القرن الثامن عشر أطلق الكتاب الفرنسيون اللفظة إجمالًا دون إضافتها إلى شيء معين، وأصبحت تدل على تنمية العقل والذوق، ثم انتقلت إلى حصيلة هذه التنمية من مكاسب عقلية وذوقية، وفي أواخر هذا القرن انتقلت اللفظة بما استقرت عليه من معانٍ من الفرنسية إلى الألمانية، ثم اكتسبت في الألمانية في القرنين التاسع عشر والعشرين مضمونًا اجتماعيًا؛حيث أصبحت تدل على التقدم الفكري الذي يحصل عليه الفرد أو المجموعات أو الإنسانية بصفة عامة، ويعتبر جوستاف كليم (1802- 1867م) مؤسس علم الإنثروبولوجيا (علم الإنسان) من أوائل من استعمل الكلمة لتدل على ظواهر اجتماعية عند أي جماعة من مهارات سلوكية و (دين) وفن وعلم وأنظمة للسلام والحرب.
أما في الإنجليزية، فحسب معجم أكسفورد فإن أول استعمال لهذه الكلمة بمعنى قريب من ذلك يعود إلى سنة 1805م، وإضافة إلى ذلك فقد انطلق المفكرون الإنجليز في المسائل السياسية والدينية لينظروا إلى Clt صلى الله عليه وسلم e من زاوية تطبيقاتها العملية، وفي عام 1871م وضع الإنثروبولوجي الإنجليزي إدوارد تايلور (1832 ـ 1917م) تعريفًا لمفهوم هذه الكلمة تأثر به معظم من جاء بعده؛ فهي عنده: ذلك الكل المركب الذي يشتمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في مجتمع.
وعرفها الفيلسوف الأمريكي جون ديوي بأنها: حصيلة التفاعل بين الإنسان وبيئته، ويعرفها كل من كروبر وكلوكهون بأنها: مجموعة طرائق الحياة لدى شعب معين، أي: الميراث الاجتماعي الذي يحصل عليه الفرد من مجموعته التي يعيش فيها.
وإجمالًا فإننا نستطيع القول: إن مفهوم Clt صلى الله عليه وسلم e يتضمن حصيلة التنمية المعرفية والأخلاقية والذوقية والتنظيمية وثمرتها المكتسبة الظاهرة في مجتمع ما، نتيجة التعليم والنظام والخبرة الاجتماعية والعوامل الاقتصادية.