ومن هنا ندرك أن الثقافة الحقيقية التي لها أثر في بناء حضارة الأمة ثقافة واحدة ، وهي الثقافة الربانية التي تستمد رسالتها من الوحي الإلهي وفيها سعادة البشر، وما عداها فهي من الجاهلية الأولى التي همها النهب والاستعمار- كما هو الحال في الاستعمار الغربي الذي من أهم أهدافه: زعزعة العقيدة الصحيحة في نفوس المسلمين، إدراكًا منه أن التمسك بالعقيدة سبب بناء الأمة المسلمة ، وزعزعتها وتحطيمها في نفوس سبب لتدميرها.
والواقع اليوم يشهد لذلك ؛ فنحن نرى آثار الاستعمار في تلك الأجيال المسلوبة الإرادة، بل منها من فقد هويته حتى صار تبعًا لغيره عاجزًا عن تحقيق شخصيته المسلمة، وهذه نتيجة حتمية لكل مجتمع يفقد ثقافته الأصلية.
ولا أحد ينكر أن واقع ثقافتنا اليوم يحتاج إلى مزيد من العطاء ممن ينتسبون إليها من رجال الفكر والأدب بحيث نحقق الاكتفاء الذاتي الذي يحفظ لنا كيان تلك الثقافة.
ولنجعل من الشعوب التي فقدت قيمها وأخلاقها خير دليل على تأثر الحضارة بالبعد عن معالمها وأصولها التي تبني عليه، ما يجعل هذا التأثر السلبي يصيب الأمة بالخلل في حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا هو سبب التأخر الحضاري لدى أمة من الأمم.
ولقد كان من نتائج الخروج عن أصول الثقافة الإسلامية والعربية أن أنهار أكبر حصون التحصين الثابتة في المجمع ما حدا بالمجتمع إلى أن يعيش فترة من الجمود والتعطيل ، لكونه وقع بين فكين: أحدهما حضارة غربية مستوردة ، والآخر عامل أصيل متجمد، ومتى استمر الوضع على هذه الحال فإن عملية النهوض بثقافة الأمة تكاد تكون مستعصية ما لم يهيئ الله لها من يأخذ بيدها من مفكري الأمة أصحاب العقول الراجحة الذين يعرفون للحياة المطمئنة قيمتها.
ومن مظاهر التقدم الحضاري الذي يشهده المجتمع المسلم ما يتعلق بأنواع التقنين الحديثة المعلوماتية التي بدأت تنتشر في كل قطاع أو مؤسسة، بل وعلى مستوى الأفراد، حيث أصبح لا غنى للفرد عنها اليوم لتنظيم حياته وأولوياته، إضافة إلى ذلك تجد الكثير ممن كانوا يسكنون الوادي ويمارسون الحياة البدائية قد تولوا عددًا من المناصب التي تؤهلهم لتغيير أنماط السلوك في المجتمع وفق الشريعة الإسلامية بعيدًا عن عادات وتقاليد الجاهلية الأولى.
فعلينا أبناء هذه الأمة المسلمة أن نسرع إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من جوانب حضارتنا اليوم، ونأخذ بها إلى شاطئ الأمان بعيدًا عن عوامل الغزو الفكري الثقافي، وما أكثره اليوم ، بل التنافس فيه قائم على حساب ثقافتنا الإسلامية.
وإن مما يعين على إنقاذ تلك الحضارة في ظل قيمنا الإسلامية وفق متطلبات العصر أن تسلك مسلك التوسط والاعتدال في التعامل مع تلك القيم والمبادئ ، إذ إن التطرف والغلو من أشد العوامل فتكًا بحضارة الأمة، وإنزال أنواع الذل والهوان التي تصيب العباد والبلاد، وما نشأ ذلك الغلو وذلك التطرف إلا بسبب القوى الداخلية التي ابتعدت عن عقيدتها ، ما سهل للاستعمار السيطرة والهيمنة على مقدرات الأمة حتى فقدت الكثير من معالم حضارتها الإسلامية حيث أراد الاستعمار طمس تلك المعالم.
وما أن أحست الأمة بالخطر القادم الذي يهدد حياتها وحضارتها حتى اتجهت إلى نزعة جديدة شغلتها عما هو أهم ، ألا وهي النزعة المادية ومن هنا غاب معظم القيم من حياة الأفراد والمجتمعات، ولم تعد حياتهم قائمة على أي نوع من التعالي والمثالية.
فأملنا في ثقافتنا الإسلامية اليوم أن تأخذ بزمام الحضارة إلى بر الأمان بعيدًا عن مظاهر الفوضى والانحراف، وألا تترك مجالًا لتلك القوى المادية لإشباع رغباتها على حساب قيمنا وأخلاقنا التي هي عنوان حضارتنا الإسلامية، وأن نكرس جهدنا في سبيل الحفاظ على مقدراتنا التي أساسها وحدة الإيمان والعقيدة الصحيحة بعيدًا عن الطغيان المادي الذي يفقد الإنسان إنسانيته، ومتى بنى الإنسان حضارته على قيمه وأخلاقه الإسلامية فإن هذا البناء لن يقهر بإذن الله ، وسيظل شامخًا إلى الأبد في مواجهة التبعية من أجل تميز حضاري مرموق لا يتغير ولا يتبدل.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد .
موقع الشبكة الإسلامية
: ... كيف أكون بانيا للحضارة
تاريخ الاستشارة: ...
الموضوع: ... استشارات ومشاكل الشباب
السائل: ... مهند علي حينون
السؤال
أريد أن أصبح شيخًا وبانيًا للحضارة!
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الابن الفاضل/ مهند حفظه الله!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،
فنسأل الله أن يقدر لك الخير ويسدد خطاك ويلهمنا جميعًا رشدنا ويعيذنا من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا!
فإن النفوس الكبيرة أهدافها عظيمة، وكل ألف ميل تبدأ بالخطوة، وأنت ـ لله الحمد ـ حددت لنفسك هدفا كبيرا، وسوف يتحقق لك ما تريد بإذن الله، ودائمًا المسلم عالي الهمة لا يرضى إلا بالمعالي؛ لأنه يستمد قوته وثقته من إيمانه بالله العظيم الذي يقول للشيء كن فيكون.
وقد تملكني السرور وأنا أقف على رغبتك العظيمة وحرصك على أن تكون من بناة الحضارة وصناع المجد، وحتى يتحقق لك ـ بإذن الله ـ ما تريد أرجو أن تحرص على الآتي:-
1-حافظ على صلاتك في أوقاتها وعمر قلبك بالإيمان بالله، وعود لسانك كثرة الذكر الله.
2-احرص على أن ترفع أكف الضراعة إلى الله الذي يقول سبحانه: {فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} .
3-اجتهد في بر والديك حتى تنال رضاهما لتفوز بصالح دعائهما، وكن عونًا للإخوان والأصدقاء، وأحسن إلى أرحامك فإن الله في عون العبد إذا كان في عون إخوانه، ومن كان في حاجة إخوانه كان الله في حاجته.
4-واعلم أن الأهداف الكبيرة تحتاج لاجتهاد وبذل، والمسلم يفعل الأسباب ثم يتوكل على الله الوهاب.
5-حافظ على أوقاتك واختر الأوقات الهادئة للمذاكرة وخاصة أوقات البكور.
6-ابحث عن عالم يخاف الله ويحرص على طاعته لتتلقى عنه علوم الشريعة التي ينبغي لكل مسلم أن يتعلمها لأن العلم دين فانظر عمن سوف تأخذ دينك، وذلك بعد الاجتهاد في حفظ كتاب الله الذي هو أساس كل نجاح وفلاح.
7-احرص على أن تكون مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وتجنب صحبة الأشرار، فإنها تعدي وتردي.
8-تدرج في طلب العلم ولا تستعجل؛ لأن الصواب أن نتعلم صغار العلم قبل كباره لأن بعض الناس يتعلم ليجادل العلماء ويباهي السفهاء وهذا يجعله يطلب مسائل الخلاف أولًا.
9-تذكر أن من تواضع لله رفعه، والعلم لا ينال إلا بالتواضع، وكما قيل (اثنان لا يتعلمان مستح ومستكبر) .
10-لا تغتر بسرعة فهمك وصفاء عقلك وتذكر مع كل نجاح أن التوفيق والنجاح من الله.
11-تجنب المعاصي فإن آثارها خطيرة وأحسن الشافعي حين قال:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي *** فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور *** ونور الله لا يهدى لعاصي.
ولما رأى الإمام مالك علامات الذكاء والفطنة على الشافعي قال له:
إني أرى على قلبك نورًا فلا تطفئه بظلمة المعاصي.
12-احرص على احترام المشايخ والمعلمين واعرف لهم فضلهم، فإن طاعة المعلم عون على النجاح، واصبر على شدتهم وقد قص لنا القرآن خبر نبي الله موسى مع الخضر حين قال للخصر: {ستجدني إن شاء الله صابرًا ولا أعصي لك أمرًا } .
13-إذا أشكل عليك أمر أو صعبت عليك مسألة فأكثر من الاستغفار كما كان يفعل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.