فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 2255

هذه السعة والشمول هي السمة التي تجعل الدين الإسلامي هو دين العلم والحضارة ، استوعب كل ما كان قبله من الحضارات فاستوعب الإسلام- عندما فتح بلاد فارس - الحضارة الفارسية ، وعندما فتح بلاد اليونان استوعب الحضارة اليونانية ،لم يضق بها .. أخذ فوائدها وطوّرها ، وزاد عليها وخلّص من آثارها السلبية وأخلاقياتها السيئة ونحو ذلك ، ولذا فإنه العلم الذي يتطور ويزداد ونحن نعلم في مناهجنا وفي تراث أسلافنا أن العلم - كما يقولون - من المحبرة إلى المقبرة والله عز وجل يقول: { وقل ربي زدني علمًا } ، وفي حسننا وتعليمنا قوله تعالى: { وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا } .. { وفوق ذي علم عليم }

إنه أبواب واسعة تعلم وزد من العلم ، حتى قال علماؤنا:"ما من شيء طلب فيه المزيد بلا حد إلا العلم كما في قوله تعالى: ( وقل ربي زدني علمًا ) "

وتعليمنا فوق ذلك مرجعي وانضباطي ليس تعليمًا لا خطام له ولا زمام ، وإنما يعود كل شيءٍ فيه إلى أهل الاختصاص والعلم ، وإنما يرجع أهل الاختصاص والعلم إلى مراقبة الله وإلى الإخلاص والإحسان إلى الخلق دون أن يكون مظنة عبث الأهواء والمصالح الشخصية ، كما هو العلم المعاصر الذي يدمر اليوم بالعلم الإنسان ويترك البنيان في هذه الوسائل التدميرية ، التي لا تقتل إلا الحياة البشرية وتبقى لنا المباني الأسمنتية في صورة تمثل حضارة الإنسان وفجور العلم بعيدًا عن ضوابط الإيمان وأخلاقيات الإسلام ، والله عز وجل يقول: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وإن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون } .

من مبادئ إسلامنا وتعليمنا عدم القول على الله بغير علم وعدم الإفتاء بغير علم .. نحن أمة عندها ضوابط ، وكما قال أهل العلم:"من قال لا أعلم فقد أفتى"، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن آخر الزمان وأعظم مفاسده قال: ( فاتخذ الناس رؤؤسًا جهالًا فسألوا فأفتوا بغير علم فظلوا وأظلوا ) .

كل هذا التحذير موجودًا في منهجنا وفي أساس تعليمنا ، ولذلك نجد في هذا الرجوع إلى المرجعيات الأصلية والتخصصية فنحن لا نأخذ أمر علاج المرضى من المهندسين ولا نأخذ صفة الدواء من أهل التاريخ وكذلك ينبغي ألا نأخذ الفتوة الشرعية إلا من تأهل لها ، والله - عز وجل - يخاطبنا في قوله: { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }

بالبينات والزبر ، والله عز وجل يقول: { ولو رده إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } .

ولذلك مبدأ التخصص كان ظاهرًا ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يوضح ويبين ويخبر أن أفرضهم زيد ، وأن أقرأهم أُبي ، وأن أعلمهم بالحلال والحرام معاذ ..ولذا أيضًا قال النبي صلى الله عليه وسلم في بيان مزايا الصحابة: ( من أراد أن يقرأ القرآن غطًا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد ) ،

وكان الصحابة يرجعون وكان الناس يرجعون إلى كل صاحب علم في علمه مع تميزهم - رضوان الله عليهم - بالعلوم الغزيرة المتنوعة ، ولذلك هذه المزايا في علومنا هي التي ينبغي أن نحرص عليها ، نسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يعلمنا ديننا وأن يبصرنا بحقائق منهجه وأن يلزمنا دينه وشرعه ، وأن يجعلنا من المتبعين لرسوله صلى الله عليه وسلم .

الخطبة الثانية

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه وإن من أعظم التقوى الارتباط بالكتاب والسنة ، وتعلّم دين الإسلام من مصادره الأصلية ، والإقتداء بقدوات أعلام أمتنا عبر تاريخها المجيد ، ومعرفة تاريخنا لأخذ الدروس والعبر .

وإن قضية التعليم قضية جدًا مهمة ، وإن الدعوة التي تطلق هنا وهناك لإعادة النظر في مناهج التعليم نقبلها إذا كانت منا ، فنحن دائمًا نسعى إلى تطوير مناهجنا ، وإلى إصلاحها ، وإلى مزيد من الخير فيها ، ولكن الدعوة إذا جاءت من غيرنا ، وإذا جاءت ممن نعلم أنه يختلف عنا في معتقدنا وتصورنا وفكرنا وحضارتنا وتاريخنا ولغتنا ؛ فإن معنى تطويره أو تغييره الذي ينشده منا هو أن نكون نسخة منه ، أو أن نكون أتباعًا له ، أو أن نتكلم بلسانه و نحب بقلبه ، ونعمل بنَفَسه ونفكر بعقله وبالتالي نمارس الحياة في واقعها على نفس طريقته وعلى نفس خطوته التي يحياها ، وهذه هي قضية التحريف والتضليل في التعليم بعينها ؛ فإن المقصود بها محو وإخفاء الشخصية العربية الإسلامية حتى تعودوا الأجيال لا كيان لها ولا شخصية لها ، فيسهل قيادتها ، وتنبهر بغيرها وتصبح تابعة لغيرها .

ولذا نرى ما يجرى في مناهج التعليم في كثير من بلاد الإسلام يركز على أن يربط تلك المجتمعات بإحدى جانبية إما أن يربطها بتاريخ لها مزعوم من قبل الإسلام فيتجاوز فترة الإسلام بطولها وعرضها وحضارتها وكل ما فيها ليدرسهم آثارًا وآضامًًا وتاريخًا قديمًا ليس لهم فيه معنى معين ، ولا تحريك معين ، ولا فائدة واضحة ، وإما أن يتجاوز بهم بحكم المعاصرة إلى دراسة الواقع المعاصر ، والحضارة المعاصرة ، والإعلاء من شأنها ، وإظهارها بمزاياها ومحاسنها حتى يفتنهم إما بذلك أو بتلك ، أو حتى يربطهم واقعًا بهذا وتاريخًا بتلك الفترة ويضيع التاريخ الإسلامي بينهما ، ومن العجيب أنه قد وقعت كثيرًا من جرائم التحريف والتغيير المفسد في مناهج التعليم البلاد الإسلامية ، حتى اختزل تاريخ الأمة في صور عجيبة - كما أشرت من قبل - بعض المناهج في مدارس الثانوية ، بل ربما في بعض المعاهد الشرعية لم يكن حظ تاريخ عمر - الفاروق خليفة المسلمين - إلا نصف صفحة ، وتاريخ عثمان أو الإشارة إليه بسبعة أسطر ، ثم مساحات وصفحات واسعة لكثير مما لا يفيد ولا ينفع .

ولذلك نرى هذه المعاني فنحمد الله - عز وجل - في هذه البلاد على ما مرّ وسبق أن ذكرنا بعض منه في وضوح الأهداف الإسلامية للسياسة التعليمية ، وانعكاسه على المناهج الدراسية ، وأثرها أيضًا في تكوين المعلمين والمربين ، وكثيرٌ من هذا فيه خيرٌ كثير ، وما نحتاج تعديله وتقويمه يقوم به ذوي الرأي منا وأهل الغيرة والتخصص منا ، فيكون دائمًا لنا أطراد إلى الأفضل والأحسن بإذن الله - عز وجل - نسأل الله سبحانه وتعالى أن يردنا إلى دينه ردًا جميلًا .

المصدر: موقع إسلاميات

الإسلام والحضارة

محمد بن شاكر الشريف

في ظل التغيرات والتطورات الكثيرة على واقع الأمة الإسلامية يطرح بعضهم سؤالًا فيقول: «الطريق إلى الحضارة: هل يمر لزامًا عبر الإصلاح الديني؟» . وفي ثنايا هذا السؤال تُقدم بعض الجمل التقريرية التي تقول: «إن الإسلام كدين وكنصوص مقدسة باتت اليوم رهينة لقراءات وتفسيرات نتجت ضمن سياقات تاريخية مشبعة بالصراع السياسي والاحتقان في التعامل مع المختلف الفكري والمذهبي والديني» وأن هناك «قراءة متشددة وحدية للنص باتت هي المرجعية السائدة للتنظير الفكري والسياسي الإسلامي الحديث» ونحن الآن في حاجة إلى «قراءة حضارية للنص تطرح قيم التواصل مع العالم، وقيم الحرية والتسامح» إلى كثير من مثل هذه الجمل.

هذا السؤال المطروح - بما يشمله من الجمل السابقة - يحتاج للجواب عليه أن نعرف المراد بـ «الحضارة» والمراد بـ «الإصلاح الديني» إذ ذلك شرط أساس حتى ينتج الكلام فائدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت