فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 2255

وليس هذا في اليابان وحدها ! كل أمم الأرض كانت تقاتل من أجل لغتها وتاريخها ودينها ، وهم على باطل وانحراف ، وربما على أباء أجداد وأباء لا يعرفون شيء من الحقيقة الصحيحة في هذه المعاني كلها ، ثم أرادت أمة الإسلام بعد أن مسخت في مطالع هذا القرن مناهجها التعليمية بالمناهج التقليدية .. عندما رجعت واستيقظت بعد غفلتها ونومها كان لذلك أثره الواضح ، ولذا تأتي هذه الهجمة الشرسة أحد أعلام الدعاة والمفكرين الإسلاميين المعاصرين يبين لنا في كلمات موجزة كيف يكون للمعنى الديني أثره في الروح الإنسانية بالنسبة للمسلم:"إن الإسلام عقيدة استعلاء من أهم خصائصها أنها تبث في روح المؤمن الإحساس بالعزة من غير كبير ، وروح الثقة في غير اغترار ، وروح الإطمئنان من غير تواكل .. إن سر قوتنا وانضباطنا وتماسكنا ووحدتنا إنما يكمل في ديننا الذي يوحد بيننا والذي هو قاعدة ارتباطنا لقوله تعالى: { إنما المؤمنون أخوة } ، وقوله: { وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون } "، هذا المعنى هو الذي يعطينا هذه القوة .

ولذلك ماذا قال أولئك القوم في تعريف التربية والتعليم ؟

ولسنا نحن الذي نقول ذلك وإنما دوائر المعارف الغربية تبين لنا معنى التربية في خلاصتها النهائية ، التي ينبغي أن ننبه لها تقول الموسوعة:"إن التربية هي الجهد الذي يقوم به إباء شعب ومربوه لإنشاء الأجيال القادمة على أساس نظرية الحياة التي يؤمنون بها"، فهل يريدون أن نربي أبناءنا على أساس حضارة غربية أو على أساس مبدأ شوعي أو ماركسي ؟

كل أمة كانت تسعى لذلك وكما قيل من قبل: كل أمة أول ما تعنى به إذا تسلطت وامتلكت وأصبحت ذات هيمنة أن تقرض مناهجنا التعليمية ونظراتها الفكرية وتاريخها الإنساني ، وحضارتها التي تنتهجها وهذا ظاهر في واقع الحياة ولذلك انظر إلى ذلك التعريف يقول هو الجهد الذي يقوم به إباء كل شعب ومربوه . حتى كثير من البلاد الإسلامية أن مناهج التعليم مسخت ونسخ منها الإسلام في أكثر الأحوال لكن الآباء والأمهات في بيوتهم يعلّمون القرآن ، ويعلّمون الاعتزاز بالإسلام ويعلمون عظمة هذا الدين فلا تفلح حينئذ تلك المناهج في مسخهم ولا في نسخ أفكارهم .

ولذلك التربية والتعليم ليست مقتصرة على تلك - مشرقة أو مغربة - فإن الشوعية الحمراء في عقر دارها على مدى سبعين عامًا لم تستطع أن تغير الفكر والهوية ، ولذا تقول الموسوعة أيضًا: إن وظيفة المدرسة أن تمنح للقوة الروحية فرصة التأثير في التلاميذ ، تلك القوة الروحية التي تتصل بنظرية الحياة ، ويرى التلميذ أنه يمكن بها يمد حياة الشعب ، ويسير بها إلى الأمام"، أي أن يمد من حضارة وفكر وهوية وشخصية هذه الأمة وتنتقل حينئذ من جيل إلى جيل بقوة الروح التأثيرية في ذلك ."

لذلك لابد أن نشير إلى القضية في وجهيها المهمين العظيمين بالنسبة للتعليم الإسلامي: أهمية الالتزام وخطورة الانحراف .

أهمية الالتزام تجعل لنا قوة عظيمة في المبادئ المعنوية والفكرية والتصورية ؛ فإن عدمنا الأسباب المادية ؛ فإن تلك القوة تجعلنا قادرين على الأخذ بها من جهة ، وعلى مقاومة التيارات التظليل والانحراف من جهة أخرى ، وأما إذا وقع الانحراف ، سواء في الأهداف والغايات لمناهج التعليم ، أو كان في المضامين والمواد في مناهج التعليم ، أو كان في المعلمين والمربين الذين ضم بعضهم على نظر أهل الكفر ، أو نظر الحضارة المعاصرة ، أو نظر الغرب أو الشرق ثم جاءوا ليزرعوا ويبثوا هذا الفكر وهذا الزيغ في قلوب وعقول أبنائنا ..كل ذلك من الخطر العظيم الذي يتهددنا وكل وكثير من مشكلاتنا إنما مرجعه إلى ذلك .

ولذا ينبغي أن نعود إلى تعليمنا الإسلامي الحقيقي المنهجي ، الذي يحقق لنا أهم غايتين في واقعنا المعاصر .

هناك تخوف من أمرين اثنين يكثر الحديث عنهما في واقعنا: أمر التشدد و أمر الانفلات ، أو ما يسمونه التطرف و التشدد أو الانغلاق ، ونحن ننبذه بمعناه الشرعي ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بيّن هذا وقال عليه الصلاة والسلام: ( لن يشاد هذا الدين أحدٌ إلا غلبه ) .

وورد النهي عن الغلو في الدين ، أي بالمعنى الشرعي وليس بالمعنى الذي يقولونه ؛ فإن عندهم كل من أراد أن يلتزم الإسلام فهو في حقيقة الأمر وفي منتهى مقالاتهم ومآلات أطروحاتهم فهو متطرف متشدد ، ينبغي أن يغير فكره ، وأن يسلخ جلده .. أما نحن فنقول: نعم هناك تشدد بالمعنى الشرعي قد جاءت الشريعة بتوضيحه والتحذير منه ، وجاءت كليتها وفرائضها وأركانها وآدابها لتحفظ الناس من فسادٍ في الأخلاق واختلالٍ في الأمن ، وتسيب في الحياة الاجتماعية ، وكذلك المناهج الإسلامية والتعليم الإسلامي يحفظ من هذا ومن ذاك ؛ لأن تعليمنا الإسلامي تعليم إلهي رباني ، أي أن مبدأه وارتباطه وضوابطه مرتبطة بمنهج الله - عز وجل - وأول آية كما نعلم في القرآن: { اقرأ باسم ربك الذي خلق } .

علم على منهج الله علم ليس مقطوع الصلة بخالق الخلق وواهب الرزق والعالم بكل شيء وهو الله سبحانه وتعالى علمنا في هذا يقول فيه الله - عز وجل - تعليمًا لنا: { لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم } .

تعليمنا أيضًا وهذه خصيصة مهمة ، وتعليم تربوي عملي .. إنه ليس حفظ للمعلومات .. إنه ليس ترديد للمقولات وإنما هو تغيير في أعماق النفس والقلب وسلوك يظهر في واقع الحياة لقوله تعالى: { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ، وكما قال الله عز وجل: { أمن هو قانتٌ آناء الليل قائم ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه } ، ثم بعدها مباشرة: { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } .

إن العلم الحقيقي - كما قال بعض السلف - إنما هو الخشية ، وإذا ربّى هذا العلم الخشية من الله استقام السلوك وانتظمت العلاقات ، وآمن الناس وحسنت الصلات وتصححت التصورات وأصبح كل خير يأتينا من هذا التصور والعلم الذي يرتبط بمنهج الله عز وجل { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك } ؛ فإن العلم إنما يقود إلى العمل وإنما يبصر به ، وكما قال ابن الجوزي:"العلم يهتف بالعمل ؛ فإن أجابه وإلا ارتحل". العمل ينادي العلم حتى يطبقه ؛ فإن أجاب وإلا ارتحل ، أي ارتحل العلم وكم عندنا م الآيات والأحاديث ما يربط هذا العلم بالعمل وما يربط العلم بالسلوك والأخلاقيات حتى شاع ذلك في أدبنا وفي مقولاتنا وتاريخنا الأدبي وتراثنا الفكري ، وهو سمة عظيمة من سمات ديننا ومن تاريخ أمتنا وحضارتنا وعلمنا أيضًا شمولي تطوري ليس علماًُ محصورًا في علوم العربية أو في المسائل الشرعية ، بل هو علم واسع منفتح على الحياة الإنسانية كلها ولكنه مع انضباطه الإيماني والرباني يأخذ الخير ويترك الشر علمُ دعانا الله - عز وجل - فيه إلى أن ننظر: { قل انظروا ما في السموات وما في الأرض } .

وأن ننظر في واقع الحياة الإنسانية: { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت