إن مقولة (هنتنجتون) حول صراع الحضارات آتت بنتيجة ربما لم تكن متوقعة منها وهي أنها أسقطت ودحضت أحد أهم طروحات اللادينيين في البلاد العربية في الوقت الراهن وهو أن المسلمين مسؤولون بسلوكياتهم عن إساءة صورة الإسلام في الغرب مما دفع الغربيين إلى اتجاه العداوة، ذلك أن طرح (هنتنجتون) عن الجوانب العميقة والجوهرية في علاقات الحضارات ولا يتوقف عند أعمال عنف أو تطرف هنا أو هناك على زعم صحتها، وهو إذ يتحرك على هذا المستوى الأعمق يصدق مع النفس (أي مع الذات الحضارية الغربية) ويرى أن الإسلام سوف يكون هو الخصم الأكبر للغرب وليس أي من الحضارات الأخرى. صحيح أن (هنتنجتون) يتحدث كسائر الصحف الغربية عن الإرهاب والأصولية والتشدد الإسلامي لكن كل هذه الدعاوى تبدو فجة وواهية بل وكاذبة إذا ما وضعت بجانب الحقيقة التي يدركها الجميع وهي أن الإسلام كقوة دولية فاعلة ومؤثرة ليس موجودًا الآن بالحجم الذي يسوِّغ كل هذا التهويل؛ لذلك تبقى الحقيقة أو الاستنتاج المنطقي بأن استهداف الإسلام بتسميته الخصم الحضاري للغرب لا ينطلق إلا من دافع العداء الصرف لهذا الدين والعقيدة. وهناك الدوافع التي ألمحت إليها من قبل باستنهاض همم الغربيين وحشد قواهم وتوجيهها ناحية العدو الخارجي وليس الداخلي مع إيجاد فرصة للذات الحضارية الغربية لكي تتحدد وتتجدد في مواجهة الآخر. وفوق هذه الدوافع نجد أن أطروحة (هنتنجتون) ترمي إلى مساعدة الدوائر الحاكمة في الغرب على تحديد استراتيجية للمستقبل بوضع العدو المحتمل أمام أنظارهم. وإذا تتبعنا مسار السياسات الغربية ولا سيما الأمريكية في الأعوام الأخيرة لوجدنا أن هذه الأطروحة قد أصبحت بالفعل تمثل النور الهادي والمرشد للتحركات الغربية عن عداء وملاحقة للإسلام ومن تحريض للأنظمة والدوائر التابعة على مواصلة هذه الملاحقة والاضطهاد للحركات الإسلامية. وهكذا تتحول الأطروحة النظرية إلي واقع عملي منظور.
وما تزال مقولة صراع الحضارات تجلِّي لنا من الجوانب الكاشفة الشيء الكثير الذي ينتظر البحث في مقال قادم بإذن الله.
الحضارة الغربية كما يراها أحد أساطينها
مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - (ج 7 / ص 487)
الحضارة الغربية كما يراها أحد أساطينها
عن كتاب (الإنسان ذلك المجهول) للدكتور الكسيس كاريل
".. إننا نواجه مشاكل تحتاج إلى حل سريع. إذ بالرغم من أننا بسبيل القضاء على إسهال الأطفال والسل والدفتريا والحمى التيفودية..الخ، فقد حلت محلها أمراض الفساد والانحلال وأمراض الجهاز العصبي والقوى العقلية. ففي الولايات المتحدة يزيد عدد المجانين على عدد المرضى. إن الاضطرابات العصبية وضعف القوى العقلية آخذة في الازدياد، وهي أكثر العناصر نشاطًا في جلب التعاسة للأفراد وتحطيم الأسر. إن الفساد العقلي أكثر خطورة على الحضارة من الأمراض المعدية.."
إن المدنية العصرية تتكون من مبانٍ هائلة، في حين تمتلئ شوارعها الضيقة برائحة البترول وذرات الفحم والغازات السامة، كما تمزق أعصاب الناس ضوضاء السيارات واحتشاد الجماهير … وهكذا يتضح أن الذين خططوا هذه المدن لم يقيموا وزنًا لخير سكانها.
إن نظم الحكومات أنشأتها عقول عديمة القيمة.. فمبادئ الثورة الفرنسية وخيالات ماركس ولينين تنطبق فقط على الرجال الجامدين.. لأن قوانين العلاقات البشرية ما زالت غير معروفة. وعلوم الاجتماع والاقتصاديات علوم تخمينية افتراضية … وإذًا فالبيئة التي نجح العلم والتكنولوجيا في إيجادها للإنسان لا تلائمه، لأنها أنشئت اعتباطًا ودون أي اعتبار لذاته الحقيقة.
يجب أن يكون الإنسان مقياسًا لكل شيء، ولكن الواقع هو عكس ذلك، فهو غريب في العالم الذي يعيش فيه. إنه لم يستطع أن ينظم دنياه بنفسه لأنه لا يملك معرفة علمية بطبيعته. ومن ثم فإن التقدم الهائل الذي أحرزته علوم الجماد هو إحدى الكوارث التي تعاني منها الإنسانية. فالبيئة التي ولدتها عقولنا واختراعاتنا غير صالحة لنا … إننا قوم تعساء، لأننا ننحط خُلقيًا وعقليًا. إن الجماعات والأمم التي بلغت فيها الحضارة الصناعية أعظم نمو وتقدم، هي على وجه الدقة الجماعات والأمم الآخذة في الضعف، والتي ستكون عودتها إلى الهمجية أسرع من عودة غيرها إليها.."."
عن كتاب (الإنسان ذلك المجهول) للدكتور الكسيس كاريل
الحاجة إلى معرفة الحضارة الغربية
د. بدران بن الحسن 18/9/1425
يتساءل كثير من المثقفين عن كيفية ضبط العلاقة بالغرب المعاصر، ذلك أن هذا الإشعاع العالمي الشامل الذي تتمتع به ثقافة الغرب، هو الذي جعلنا في موقف ينبغي أن نحدد الصلة بالغرب، وخاصة أن ما يفيض علينا وعلى غيرنا من الأمم والشعوب من إنجازاته الحضارية ومن فوضاه الحالية جعل منه مشكلة عالمية، ينبغي أن نحللها وأن نتفهمها في صلاتها بالمشكلة الإنسانية عامة، وبالتالي بالمشكلة الإسلامية.
وهذا لا يجعل العالم الإسلامي تابعًا في حلوله للغرب كما يعتقد كثير من التغريبيين أو غيرهم من دعاة الأصالة الإسلامية، وإنما يتطلب منا أن نعرف التجارب الحضارية المختلفة لنتحقق من مدى نسبيتها ومدى قابليتها للنقل والاستفادة.
فإذا ما أدرك العالم الإسلامي أن الظاهرة الحضارية الغربية مسألة نسبية، فسيكون من السهل عليه أن يعرف أوجه النقص فيها، كما سيعرف عظمتها الحقيقية، وبهذا تصبح الصلات مع العالم الغربي أكثر خصوبة، ويسمح ذلك للنخبة المسلمة أن تمتلك نموذجها الخاص، تنسج عليه فكرها ونشاطها. فالأمر يتعلق بكيفية تنظيم العلاقة وعدم الوقوع في الاضطراب كلما تعلق الأمر بالغرب.
فالعالم الإسلامي منذ بداية الجهود التجديدية الحديثة يضطرب، كلما تعلق الأمر بالغرب، غير أنه لم يعد بذلك البريق الذي كان عليه منذ قرن تقريبًا، ولم يعد له ما كان يتمتع به من تأثير ساحر، وجاذبية ظفر بها على عهد أتاتورك مثلًا؛ فالعالم الغربي صار حافلًا بالفوضى، ولم يعد المسلم الباحث عن تنظيم نفسه وإعادة بناء حضارته الإسلامية يجد في الغرب نموذجًا يحتذيه، بقدر ما يجد فيه نتائج تجربة هائلة ذات قيمة لا تقدر، على الرغم مما تحوي من أخطاء.
فالغرب تجربة حضارية تعد درسًا خطيرًا ومهمًّا لفهم مصائر الشعوب والحضارات، فهي تجربة مفيدة لإعادة دراسة حركة البناء الحضاري، وحركة التاريخ، ولبناء الفكر الإسلامي على أسسه الأصيلة، وتحقيق الوعي السنني، الذي ينسجم مع البعد الكوني لحركة التاريخ، ذلك البعد الذي يسبغ على حركة انتقال الحضارة قانونًا أزليًا أشار إليه القرآن في قوله تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين الناس ) [آل عمران:140] .
فالتأمل في هذه التجربة التي صادفت أعظم ما تصادفه عبقرية الإنسان من نجاح، وأخطر ما باءت به من إخفاق، وإدراك الأحداث من الوجهين كليهما، ضرورة ملحة للعالم الإسلامي في وقفته الحالية، إذ هو يحاول أن يفهم مشكلاته فهمًا واقعيًا، وأن يقوّم أسباب نهضته كما يقوّم أسباب فوضاه تقويمًا موضوعيًا.
وحتى تنظم هذه العلاقات، ويستفاد من هذه التجربة البشرية، ويدرك مغزى التاريخ، لا بد من فهم هذا الغرب في عمقه، وتحديد خصائصه، ومعرفة ما يتميز به من إيجابيات وسلبيات، حتى لا تكون معرفتنا به سطحية مبتسرة، وأفكارنا عنه عامة وغير نابعة من إطلاع متأمل، وبالتالي يكون وعينا به مشوهًا أو جزئيًا.