فإذا أردت ان تنظر إلى وزارة فابدأ بالنظر إلى الدولة وأهم الحقائق المتعلقة بها في الجوانب السياسية والاقتصادية والمالية والإدارية ثم انظر للوزارة،
فدراسة البيئة المحيطة بوزارة أو إدارة أو عمل من بديهيات التخطيط وتجعلنا ندرك الفرص المتاحة والقيود الموجودة ونقاط القوة ونقاط الضعف، فنرتب أولوياتنا ثم نستطيع أن نسير بطريقنا على بصيرة وحكمة.
8-غياب العمل الجماعي: العمل الجماعي هو العمود الفقري لعمل الحكومات والأحزاب والجماعات والجمعيات الخيرية، ومع دعوتنا للعمل الفردي وعدم التقليل من إنجازاته وأهميتها، إلا أن انجازات العمل الجماعي هي أكبر وأكثر استمرارية وأصوب رأيا، وأكثر شمولية والعمل الجماعي مطلوب في كل المجالات الفكرية والسياسية والاجتماعية والرياضية والخيرية والعلمية، والعمل الجماعي مطلوب بين الدول وبين الحكومة والقوى الشعبية، فإمكانياتنا تزداد إذا تعاونا مع الآخرين، والفرص المتاحة تصبح أكبر، والأخطار الخارجية والقيود تصبح أقل، وأعداء الأمة والشعوب يحتارون عندما يشاهدوننا نعمل بصورة جماعية، لقد أدركت أوروبا أهمية العمل الجماعي، فسعت للوحدة والتعاون... ومن الضروري أن نقتنع بأن التعاون مع الآخرين في قضية أو موقف أو هدف يحقق خطوات عظيمة في الاتجاه الصحيح، واختلاف الاجتهادات والآراء لا يجوز أن يكون عائقا في سبيل العمل الجماعي، بل لا بد من ترشيد الاختلاف، وتقديم تنازلات وسنفعل ذلك إذا اقتنعنا بأننا مهما حققنا من إنجازات مفيدة ونحن منفردون ستكون أقل بكثير من الإنجازات التي نحققها بالتعاون مع الآخرين، والنجاح في العمل الجماعي يتطلب مرونة وتعاونا وضوابط وتنازلات وحوارات طويلة وصبر الخ. فالعمل الجماعي علم له أصوله، وفي الإسلام اهتمام كبير بالعمل الجماعي وله مواقف حازمة ورادعة لمن يحاول أن يفرق المسلمين سواء على مستوى الدولة أو على المستوى العقائدي والعبادي، فالتعصب للاجتهادات والآراء أو الأنتماء العرقي أو المصالح الطبقية كلها أشياء مرفوضة والالتزام بطاعة أولى الأمر في المعروف والنظام وكيفية تغيير المنكر واجبات إسلامية معروفة، ولا تقل أهمية عن العقيدة والصلاة والزكاة والصوم، فلا بد من
زيادة الفقه كثيرًا في أهمية العمل الجماعي وضرورة أن تكون مصالح الأمة والوطن فوق مصالح واقتناعات وآراء الأفراد والأحزاب والجماعات، وكم من فتن حدثت لأن كل شعب يريد أن يصل إلى مصالحه حتى لو أدى ذلك لحرق الأخضر واليابس، ولنتأكد أنه إذا تعاونا سيستفيد الوطن وسنستفيد جميعا وإذا عملنا متفرقين سيخسر الوطن، وسنخسر جميعًا، وندرك أن العمل الجماعي ليس سهلا، فهناك آراء مختلفة، واستعدادات متفاوتة للعمل، ومستويات مختلفة من الأخلاص والعلم والثقافة والذكاء ولكن كل هذا لا يجوز أن يجعلنا نيأس، لأن فوائد نجاحنا ستكون كبيرة في النهاية.
كتب للمؤلف
1-الطريق إلى الوحدة الشعبية:
"دعوة لبناء الجسور بين الاتجاهين القومي الإسلامي"
2.الطريق إلى السعادة
3.إصلاح الشعوب أولًا
4.لا للتعصب العرقي
5.عجز العقل العلماني
6.الكويت الجديدة
7.العلمانية في ميزان العقل
8.العلمانية تحارب الإسلام
9.تطوير البحث العلمي الخليجي (تحت الإعداد)
قوانين النهضة
د. جاسم سلطان
لا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة،
واستخدموها،
وحولوا تيارها،
واستعينوا ببعضها على بعض،
وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد.
( رسالة المؤتمر الخامس )
تمهيد
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما بعد..
فلقد أشرنا في كتاب"النهضة.. من الصحوة إلى اليقظة"1 إلى الأطوار التي تمر بها أي حضارة، ووصفنا هذه المرحلة التي نعيشها - والتي شارفت على الغروب - بأنها مرحلة الصحوة، تلك المرحلة التي أنبتت نباتًا حسنًا بإذن ربها، وأثبتت أن الأمة ما زال بها خير كثير، غير أنها تفتقد إلى دور العقل المرشد والموجه، وإلى الرؤية والاستراتيجية الواضحة.
كما أشرنا إلى أنه قد آن الأوان لتشرق شمس مرحلة اليقظة، التي تسير بتلك الجحافل والجموع المباركة إلى طريق النهضة، من خلال جهود منظمة، ورؤية استراتيجية واضحة، وسياسات قائمة على التعاون والعدل.
وحتى نستطيع دخول هذه المرحلة المرتقبة التي نبشر بها، يجب أن نتعرف على سنن الله في كونه، وعلى القواعد التي تحكم عملية النهوض في أي مجتمع من المجتمعات. لأن أكثر ما يميز مرحلة اليقظة أنها لا تتخذ من الارتجال سياسة ومنطلقًا لها؛ بل هي في انطلاقها تعتمد على أدق قواعد البحث العلمي، وأقصى درجات الإعداد.
والتعرف على قوانين النهضة أمر مهم جدًا لكل من يهفو قلبه إلى التغيير، وإلا ضاع فريسة الارتجال. ولقد وجهنا المولى عز وجل إلى أن للكون قوانين ثابتة، فقال تعالى: {فلن تجد لسنة الله تبديلًا ولن تجد لسنة الله تحويلًا} 2، وقال: {لا تبديل لخلق الله} 3. ففي الكون والنفس والسنن الاجتماعية
الكثير من القوانين الثابتة. من أعرض عنها فقد ألغى عقله وأضر بنفسه.
ولو نظرنا إلى موضوع بحثنا، وهو قيام الأمم وسقوطها، وموضوع النهضة، سنجد العلامة الشيخ محمد رشيد رضا يقول في تفسير المنار في قول الله تعالى: {فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} 4".. فيجب على الأمة في مجموعها أن يكون فيها قوم يبينون سنن الله في خلقه، كما فعلوا في غيرها من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن بالإجمال، وبينها العلماء بالتفصيل، عملًا بإرشاده، كالتوحيد والأصول والفقه. والعلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها. والقرآن يحيل إليه في مواضع كثيرة. وقد دلنا على مأخذه على أحوال الأمم، إذ أمرنا أن نسير في الأرض لأجل اجتلائها ومعرفة حقيقتها"5 ويقول الشيخ محمد عبده:"ولا يُحتج علينا بعدم تدوين الصحابة لها، فإن الصحابة لم يدونوا غير هذا العلم من العلوم الشرعية التي وضعت الأصول والقواعد، وفرع منها الفروع والمسائل.. ولما اختلفت حال العصور اختلافًا احتاجت معه الأمة إلى تدوين علم الأحكام وعلم العقائد وغيرهما، كانت محتاجة إلى تدوين هذا العلم. ولك أن تسميه علم السنن الإلهية، أو علم السياسة الدينية، سمه بما شئت فلا حرج، فالحياة لم تخلق عبثًا، إنما خضعت لسنن وقوانين، وأمر البشر في اجتماعهم وما يعرب فيها من الصراع والتدافع الحضاري وما يتبع ذلك من الحرب والنزال والملك والسيادة والتداول الحضاري يجري على طريقة قويمة، وقواعد ثابتة، ومن سار على سنن الله ظفر بالفوز وإن كان ملحدًا أو وثنيًا، ومن تنكبها خسر وإن كان صديقًا أو نبيًا. وعلى هذا يخرج انهزام المسلمين في"
أحد، وفي بداية معركة حنين، ويتخرج انهزامهم على الأصعدة المتعددة"6."
هذا المعنى الذي يشير إليه محمد رشيد رضا في تفسير المنار يشغب على كثير من العاملين في المشروع الإسلامي. إذ أنهم يعتقدون أن العلم هو قراءة الفقه وأصوله ومدارسة التفسير، ثم الإعراض عن كل العلوم الأخرى وعن النظر في الكون، وعن التدبر في التاريخ والتجارب الإنسانية، وكل ذلك بحجة قولهم"حسبنا كتاب الله وسنة رسوله"7 وما دروا أن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إنما أمرانا بالنظر. وانظر إلى قوله: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} 8.