فهرس الكتاب

الصفحة 2180 من 2255

ومن هنا فإن الانقطاع ليس إلا عن المرحلة القصيرة التي تعثر فيها طريق الحنيفية العنصرية، وكان هذا أمرًا طبيعيًا في التاريخ فمصر العربية قد انقطعت عن مصر الإبراهيمية، وكذلك فإن سوريا العربية قد انفصلت عن سوريا الفينيقية، والعراق العربي قد انفصل عن العراق الآشوري والبابلي، وبالإسلام عادت سيرتها الأولى إلى الربط بين الحنيفية الإبراهيمية والحنيفية المحمدية.

الجري ضد تيار التاريخ:

وحين جرت المحاولات في العصر الحديث لإعادة البلاد العربية إلى تاريخها قبل الإسلام بإحياء الفرعونية والفينيقية والآشورية، فشلت هذه المحاولات فشلًا ذريعًا، لأنها كانت تجرى ضد تيار التاريخ.

ويصور هذا المعنى العلامة علال الفاسي حين يقول"إن العمليات التاريخية التي سبقت بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم لم تكن إلا تمهيدًا لإبلاغ الإنسان رشده عن طريق إكمال الدين، بوجود محمد خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم بدعًا من الرسل، فقد سبقته نبوات ورسالات، كما سبقته دعوات ربانية تشمل كل بقاع العالم، ولكنها لم توفق إلى البقاء، وأصابها الانحراف الذي يستوجب أن تجدد وتصلح ثم انفتحت آفاق التقدم الإنساني ففكان لابد أن يبعث الله الرسول الخاتم. وكانت مهمة النبي صلى الله عليه وسلم أن يضع الناس في جو الرشد المبني على العققل والروح، على القاب والجسم، ومن هنا فإن كل ما سبق من عمليات التاريخكان يهدف لغاية واحدة هي وجود الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم، وبذلك يصبح الماضي وكأنه ما قبل التاريخ، أما التاريخ الصحيح فيبدأ بالمجتمع الإسلامي، والبشرية كلها مخاطبة لتسير وفق ما ترشد إلى ناموس الكون وما بني عليه هذا المجتمع."

هذه هي قصة الاستمرارية والانقطاع في تاريخ العربية الإسلامية، انقطاعية ألف سنة عن اليونان والرومان والوثنية، والحقيقة أن الاستمرارية هي استمرارية دين إبراهيم أبي الأنبياء. وانقطاعية كل ما سواه من محاولات عنرصةي وقبلية وعرقية وقومية. حاولت أن تخرج بالرسالة الخالدة عن هدفها الأصيل وغايتها الكبرى.

ولذلك فليست هناك استمرارية فرعونية، أو بابلية، أو آشورية، أو فينيقية وإنما هناك استمرارية التوحيد الخالص وميراث إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وكلها على طريق الله الحق.

وذابت الأعراق:

لقد ذابت كل القوى التي حاولت أن تسيطر على المنطقة الحنيفية الإبراهيمية، لقد ذهبت العنصرية وبقيت العقيدة الخالصة، وانصهرت القبلية والعرقية كلها في دعوة الله الخالصة. وأن الوحدة التي التقى عليها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها. هي وحدة العقيدة والفكر والتوحيد الخالص ولغة القرآن. ولقد انهزمت كل عوامل العنصرية. والعرقية أمام قوة العقيدة والفكر، التي غلبت على فكرة الدم والنسب. وغلبت لغة القرآن على كل اللغات القديمة. حتى اضطر النصارى إلى ترجمة أناجيلهم إلى اللغة العربية بعد أن ماتت القبطية والسريانية والآرامية التي كان المسيح عليه السلام يتحدث بها إلى معاصريه.

إن الارتباط بين الحنيفية الإبراهيمية والرسالة المحمدية هو التصحيح السليم للاستمرارية. بل هو التفسير الأصيل للترابط الأكيد الجامع بين عصور هذه المنطقة وأجزائها الجغرافية والتاريخية، وهو ما تعمد المحاولات التغريبية واليهودية إلى التأثير فيه، وذلك حين تشكك المصادر اليهودية: في مجيء إبراهيم إلى مكة وبنائه البيت الحرام مع إسماعيل وذلك بسوء نية. وهم يهدفون إلى نفي الرابطة الجامعة بين إبراهيم وإسماعيل، وبين محمد عليهم الصلاة والسلام ورسالة الإسلام الجامعة الخاتمة. التي هي رسالة الإسلام الممتدة منذ آدم عليه الصلاة والسلام ونوح.

لقد عمد الاستشراق إلى تزييف العلاقة بين الحنيفية الإبراهيمية وبين الغسلام، وإثارة الشكوك حول إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، على النحو الذي قال به الدكتور طه حسين في كتابه الشعر الجاهلي حين أنكر وجود إبراهيم وإسماعيل، بالرغم من ثبوت وجودهما في التوراة والقرآن وإن كانت الأحداث لم تلبث إن كشفت زيف ما دعا إليه طه حسين حريًا وراء الصهيونية في دعواها بعد ظهور الحفريات التي كشفت عن كثير من آثار إبراهيم وإسماعيل وأبناء إسماعيل في شمال شبه الجزيرة العربية وحول الكعبة.

ومن الأسباب التي تدعو إلى إنكار الحنيفية الإبراهيمية، أنها يدخلها الكردي والرشكسي والبربر والمسيحيون، وهم يهدفون إلى إعلاء العنصريات للقضاء على هذه الوحدة التي هي"عربية اللسان"ولقد أكد هذا المعنى رسول الله صلى الله عليه في قوله:

"ليست العربية بأجدهم من أب ولا أم وإنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي إلا أن الالعربية اللسان إلا أن العربية اللسان"رواه الحافظ ابن عساكر بسنده من مالك.

دعوة البغضاء:

إن الدعوة المسمومة إلى إعادة بعث الإقليميات والعنصريات القديمة، إنما تهدف إلى إذكاء البغضاء والأحقاد بإثارة الفرقة، بينما تقوم استمرارية الحنيفية السمحاء على وحدة الفكر والعقيدة، وهي الوحدة الحقيقية وليست دعوى اللغة والتاريخ والأرض التي يحمل أواءها العلمانيون الشعوبيون.

.. أنور الجندي

حضارة في طريق الانحلال

يلوك سماسرة الغرب عندنا نظرية"الحضارة الإنسانية"كجزء من خطتهم في إلحاقنا بالغرب وهم في الطريق إلى ذلك يعملون على محو خصوصية الدين الإسلامي عقيدة وحضارة

وهم ينشطون لذلك اليوم بشكل خاص لتمرير خطة تطوير التعليم في البلاد الإسلامية كما تسوقها الإدارة الأمريكية في قيامها على محو خصوصية الأديان والتركيز على فكرة تلاقي الحضارات في طريق ريادة الحضارة الغربية وهيمنتها

فقد تم اختيار مصر - كما جاء بجريدة الأسبوع بتاريخ 30 \6 \2003 - لتكون البلد العربي الأول لإحداث تغيير تدريجي في مناهج التعليم ثم تليها المملكة العربية السعودية، حيث طلبت واشنطن إلغاء تدريس المذهب الوهابي في المدارس السعودية وإلغاء المدارس السلفية هناك ويري الخبراء الأمريكان أن التغيير سيبدأ من المرحلة الابتدائية بحيث يتم تغيير محتوي المادة الدينية ليطلق عليها مادة 'الأخلاق والثقافة الدينية' بهدف إعطاء صورة إيجابية عن الفضائل الأساسية للديانات الثلاث (اليهودية، والمسيحية، والإسلام) والتأكيد علي دور كل الأديان في بناء الحضارة الإنسانية، علي أن يمتد التغيير إلي مناهج اللغة العربية خاصة فيما يتعلق بالنصوص والمطالعة الأدبية بعد أن لوحظ أن هذه النصوص بها بعض العبارات التي تحض على كراهية اليهود والأمريكان ، ثم يمتد التغيير إلى التاريخ وذلك بمحو الذاكرة التاريخية لدي التلاميذ والتي تذكرهم بانتصارات الأمة الإسلامية في المعارك والفتوحات الإسلامية ، وتصوير ذلك علي أنه سلوك دموي وغير حضاري وليست له علاقة بالبطولات التاريخية. وأن يتم بدلا من ذلك التركيز علي تاريخ الثورات العلمية في العالم ، والتركيز علي العادات والتقاليد العامة التي كانت سائدة في المراحل الأولي لحياة الإنسان ، ومدي تطور هذه العادات ، مع ترسيخ إيجابيات الحضارة الغربية ودورها الرائد عالميا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت