فهرس الكتاب

الصفحة 494 من 2255

في ختام هذا المقال، أود أن أشير إلى أن ما يتردد لدى البعض في الشرق والغرب حول عدم منطقية التناول الإسلامي لهذه القضية ليس إلا نتيجة للنظر إليها بعين واحدة، فالثورة الإسلامية الغاضبة ليست لمجرد تناول بضعة رسامين دانمركيين مجهولي الهوية لمقام النبوة بالإهانة، فقد سبقهم إلى ذلك من هو أكثر جرأة ووضاعة، ولكن الغضب العارم الذي عم أرجاء العالم كان بمثابة ردة فعل على التعنت غير المفهوم من قبل الصحيفة نفسها وحكومتها، واستنكارًا لهذا الهجوم الذي لم يسبقه أي مبرر كما يقول الشيخ القرضاوي، بل ولرفض رئيس الوزراء مقابلة السفراء العرب قبل أن تندلع شرارة هذا الغضب العالمي، في إشارة واضحة إلى الاستهانة بأصحاب القضية والاغترار بالنفس، وهو ما يجب تحمل نتائجه بمقتضى العدالة. يقول تعالى:"قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ" (118آل عمران) ، ولسنا بحاجة هنا إلى التذكير بموجة السعار التي أصابت الغرب مؤخرا إزاء تصريحات الرئيس الإيراني بعدم صحة أسطورة الهولوكوست، وهي التي حُمّل المسلمون تبعاتها رغمًا عنهم بدلًا من الغرب نفسه!

أما المتذرعون بحرية التعبير فهم أقل قدرة على تبرير هذا الموقف، فما هي احتمالات الرد الممكن من قبل المحتجين على تلك الرسوم الساخرة؟ وهل يصح أن يواجه المسلمون أصحاب تلك الرسوم برسوم أخرى تكون بمثابة رد على حرية التعبير وممارسة للحرية نفسها؟

إن حرية التعبير ليست محدودة فقط بحرية الآخرين، وهو ما تنص عليه أولى مفاهيم الليبرالية الغربية، بل ينبغي أن تكون مضبوطة أيضا بضوابط الجدية التي يمكن تناولها من قبل الراغبين في الرد، وهذا ما يفر منه الغرب عادة عند تناولهم رموز الإسلام، إذ يلجؤون إلى الفن والأدب بدلا من المناظرات العلمية الرصينة، حتى إذا ثار المسلمون على أمثال سلمان رشدي وتسليمة نسرين وناشري تلك الرسوم رُفعت في وجوههم لافتات حرية التعبير، وكأنهم مطالبون بمناقشة هذا الهراء بهراء رخيص مثله!

بقي أن نذكر بأن مقام النبوة أعز من أن تناله إساءات الحاقدين، ولنا في السيرة الطاهرة أسوة حسنة:"انظروا كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، إنهم يشتمون مذمَّما ويلعنون مذمما، وأنا محمد!"، على أننا مطالبون هاهنا بأن نخلص نيتنا وننسى حظ نفوسنا من أي ردة فعل نقوم بها، وأن نتيقن أولا من أننا لم نغضب انتصارًا لكرامتنا، بل لمقام النبوة والرسالة، وألا يدفعنا هذا الغضب إلى التغاضي عن تقصيرنا في إيصال رسالة هذا الرسول العظيم إلى العالم أجمع، وأن نتذكر أيضا أن الحاقدين عليه في الغرب ليسوا بكثرة، وإن كانوا كذلك فالجهل يعذرهم، أما نحن فلا عذر لنا في التقصير بعدم تمثل سنته أولا، وفي حمل رسالته الحقة إلى مستحقيها ثانيا.

يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز:"لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور" (186 آل عمران) .

في وجه التبسيط

أ.د. عبدالكريم بكار

لا تستطيع عقولنا التعامل مع معلومات كثيرة متداخلة ومتقاطعة على نحو مباشر ومثمر، وكثيرًا ما نحار في إيجاد حل لهذه المعضلة. وقد لجأ العقل البشري قديمًا إلى تقسيم المعرفة -والتي كانت واحدة- إلى علوم واختصاصات بغية تأمين نوع من السيطرة على فوضى المعلومات والوصول بالتالي إلى تنظيم جديد للمعرفة يتيح لبني الإنسان تعاملًا موضوعيًا أفضل مما هو سائد. لكن هذا لم يحل المشكلة على نحو كامل، فهناك الكثير من الأوضاع التي لا تمكن معرفة كنهها وتشكيل رؤية واضحة لها من خلال أي علم من العلوم. ومن هنا فقد وجد الكثير الكثير من الناس في سبك المقولات المتقنة، وإطلاق الشعارات الجذابة وتشكيل الصور الذهنية المحددة أداة مثلى لاجتراح المجهول، وتقريب البعيد من الأحداث والأحوال . والواقع أن هذا العمل يلبي إلى حد بعيد تشوقات العامة والجماهير العريضة والتي تبحث عن شيء يريح عقولها من مشاق التأمل والخوض في التفاصيل؛ لكنه لا يخدم الحقيقة الموضوعية في شيء ذي قيمة؛ بل إنه يختزل الواقع التاريخي والمعيشي، ويعطي عنه صورًا مضللة ومبتذلة توفر من الإزعاج للباحث المدقق على مقدار ما توفره من الارتياح والإنشاء لأنصاف العوام والمتشبثين بأذيال المعرفة. ومن أجل توضيح ما أريد قوله سأضرب مثالين اثنين؛ أحدهما يتعلق بالحاضر والثاني تاريخي.

بالنسبة إلى المثال الأول؛ فإن من الملاحظ أن الحسّ الإسلامي يميل في علاقاتنا مع الغرب -على نحو عام- إلى اتخاذ موقف وسط، يبتعد عن الانغلاق التام والانفتاح المطلق. وقد لخّص أحد المصلحين ذلك الموقف بالقول: نأخذ من الحضارة الغربية ما يلائمنا وينفعنا، ونُعرض عن غيره. وهذه الصياغة على المستوى النظري مثالية جدًّا إلى درجة أن معظم شعوب الأرض لا تحلم في علاقاتها بعضها مع بعض بأكثر ما ترشد إليه هذه المقولة. لكن هذه العبارة على المستوى العملي تفقد الكثير من قيمتها بسبب ضيق مجالات تطبيقها، والذي يقف وراء هذا القصور عدم تصور من سبكها كيفيات التطبيق والتنفيذ. إن صعوبة تطبيق هذا القول تنبع من الاعتبارات والحيثيات التالية:

1-نحن نتعامل مع الغرب على المستوى العام وعلى المستوى الشخصي من خلال قرارات عامة. وحين يكون الأمر كذلك فإننا لا نستطيع اتخاذ قرار نفي وإيجابي وملائم على نحو كامل ما دمنا نعيش في وسط غير كامل، وما دامت إمكاناتنا غير كاملة.

2-يختلف الكثيرون من أبناء المسلمين في تحديد ما يلائمنا من ثقافة الغرب وأخلاقه ومنتجاته على نحو عام؛ فما يعده فلان من المسلمين مهمًّا وحيويًّا لنا، ينظر إليه مسلم آخر على أنه خطر وسيئ .

3-نحن لا نستطيع في كل الأحوال أن نقوم بعملية الانتقاء التي نريدها فالغرب ليس (سوق خضار) تتسوق منه ما شئت وتدع ما شئت لأصحابه؛ حيث إن هناك ارتباطًا وثيقًا بين الأخلاق والسياسة وبين الأخلاق والاقتصاد وبين الاقتصاد والسياسة، وبين كل هذه الأشياء وبين الاجتماع والتربية والتعليم. فإذا أردت أن تقتبس أسلوبًا أو نظامًا من أي مجال من هذه المجالات؛ فقد يقتضي الأمر أن نقتبس ما يرتبط به في مجال آخر، مما لا يلائمك ولا يرضيك. ينظر الغرب إلى التعددية الفكرية والسياسية على أنها أحد مصادر قوته وتميزه، لكن لولا تجرد الغرب من العقيدة الدينية لما أمكن له الحصول على تلك التعددية على النحو الموجود الآن.

حيوية الاقتصاد الغربي قائمة على الربا والتأمين والضرائب العالية وعلى النفوذ السياسي العالمي لدولة وقدرتها على تأمين مواد خام رخيصة وفتح أسواق لمنتجاتها.

المرأة في الغرب تعلمت وأبدعت وعملت في كل المهن والأعمال وحازت درجة عالية من الوعي واستقلال الشخصية... وكان ذلك في أحيان كثيرة على حساب كرامتها وحشمتها وعفتها، كما كان على حساب سلامة البناء الأسري... وهكذا فإن أخذ ما ينفعنا من الغرب قد يقتضي أن نأخذ معه ما لا ينفعنا ولا تبيحه عقائدنا ومبادئنا؛ فتفكيك المنظومات الحضارية أو تغريق الصفقة - كما يقول الفقهاء- ليس ممكنًا في كل الأحوال، وحين يكون ممكنًا فقد لا يكون مجديًا، فكيف يكون العمل؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت