ولكنا في حاجة أولًا إلى تحديد الأهداف . هل مهمتنا في الحياة أن نأخذ أكبر نصيب من البهجة والسرور بصرف النظر عن بقية الأهداف ؟ وهل أنكر أحد في القديم أو الحديث أن الشهوات لذيذة محببة إلى الناس ؟ ولماذا إذن سميت"ملذات"؟ إن هذه البهجة ليست اكتشافًا حديثًا يعثر عليه الغرب في القرن العشرين ، فقد عرفتها اليونان من قبل وفارس وروما وغرقت فيها إلى الأذقان . ثم ماذا ؟ ثم دالت كل دولة من هؤلاء حين استغرقت في شهواتها المحرمة ، فشغلتها في نهاية الأمر عن العمل والإنتاج ، وعن النظرة الجدية إلى الحياة ، كما حدث في فرنسا ، وكما حدث في كل مكان على مدار التاريخ: سنة الله في الأرض"ولن تجد لسنة الله تبديلا".
والغرب كان يملك القوة المادية منذ العصر الحديث - قوة العلم والتكالب على العَمل والجد في الإنتاج - فظلت هذه الشهوات تنخر فيه حتى تهاوى بعضه والباقي في الطريق . أما نحن فلا نملك القوة ، لأن الظروف الاجتماعية والسياسية التي أحاطت بنا في القرنين الأخيرين على الأقل لم تكن في صالحنا ، فماذا نفيد من الانكباب على الشهوات باسم التحضر والمدنية ، أو نفورًا من تهمة الرجعية والجمود ؟ لن يفيدنا شيئًا إلا أن يصيبنا الخمار والدوار ، فكلما انطلقنا في سبيلنا كبونا من جديد . وكل كاتب أو"مفكر حر !"يدعو إلى التحلل من التقاليد ، مهما يكن العنوان الذي يدعو تحته ، وهو رسول من رسل الاستعمار قصد أم لم يقصد . والاستعمار يعرف هؤلاء الكتاب والمفكرين ، ويعرف مدى الخدمة التي يؤدونها له بحلِّ أخلاق الأمة ، وشغل شبابها بالبحث عن"البهجة"والسرور ، ولذلك يحسن مكافأتهم حسب نوع الخدمة التي يملكون أداءها في الصحف والكتب والإذاعة ودواوين الحكم ، وهم ماكرون أو مستغفلون !
ويقولون أنظر إلى المرأة هناك .. لقد ارتفعت من أنثى إلى امرأة ! انصقلت وصارت مخلوقًا بشريًا له دور يؤديه في المجتمع .
وقد تحدثنا عن هذا"الانصقال"في فصل الإسلام والمرأة . ونزيد هنا أن خروج المرأة للعمل وانبثاثها في المجتمع . قد درب فيها دون شك جوانب لم تكن تنال هذه الدربة وهي عاكفة على مهمة الإنتاج البشري ورعايته . ولكنا نسأل أولًا: هل أضافت هذه الدربة إلى كيان المرأة ذاته ؟ أم إنها زادت عليه في جانب لتنقص منه في جانب آخر ؟ ونسأل ثانيًا: هل أضافت هذه الدربة إلى الكيان البشري كله ؟ أم إنها كذلك زادت عليه في جانب لتنقص منه في جانب آخر ؟ !
لقد صارت المرأة في الغرب"صديقة"صالحة ، تصادق الرجل ، وتتلقى مغازلاته وضروراته الجنسية ، وتشترك معه في بعض مشكلاته ، ولكنها لم تعد تستطيع أن تكون زوجة صالحة وأُمًّا صالحة . وليس يجدي في إنكار ذلك صياح المحمومين هنا والمحمومات . فهذه حقائق الأرقام تؤيد ما نقول ، فقد ارتفعت نسبة الطلاق في أمريكا إلى 4.% وهي نسبة بشعة خطيرة الدلالة . أما أوربا فقد تكون نسبة الطلاق فيها أقل . ولكن اتخاذ العشيقات والأخدان أمر شائع هناك ومعروف بين المتزوجين . ولو كانت المرأة زوجة صالحة بمعنى أنها قادرة على الاستقرار في أسرة وإعطائها كل رعايتها ، لما حدث هذا الطلاق في أمريكا أو ما يشبهه من الهروب من البيت والزوجية في أوربا . أما الأمومة فقد سبق الحديث عنها ، حين قلنا إن اشتغال المرأة بالعمل - وهو الذي يدرب المرأة الحديثة - لا يتيح لها الفرصة الزمنية ولا النفسية للاشتغال بالأمومة . فالمرأة المكدودة المنهوكة من العمل لا تجد في أعصابها طاقة للأمومة الحقة ، ولا في نفسها فسحة لاستقبال مزيد من التبعات .
أما المجموع البشري فماذا استفاد ، بصرف النظر عن البهجة والانشراح ؟ ! وهل حل مشاكل العالم هذا البضع من النساء في برلمانات العالم ووزاراته ودواوينه ، أم هذه الألوف والملايين في مصانعه ومتاجره وحاناته ومواخيره ؟ وهل لا يكون للمرأة دور تؤديه في المجتمع إلا أن تقف بنفسها تخطب في البرلمان ، أو تمضي بنفسها قرارًا من قرارات الموظفين ؟ .. وحين تربي أبناءها رجالًا ونساء تربية ذات هدف معين ، فتخرج منهم مواطنين صالحين ، وبشرًا أسوياء لا تفسدهم الاضطرابات والانحرافات .. لا يكون لها دور في المجتمع ؟ لقد تأخذها النشوة وهي تتلقى التصفيق في البرلمان ، أو الإعجاب في"الصالون"أو الطريق العام . ولكن هذه النشوة الموقوتة ما قيمتها في حياة البشرية إذا كان يصحبها إخراج أجيال من البشرية بلا أمهات ؟ ! أجيال ينقصها عنصر الحب الذي يوازن شهوة الصراع في نفوس البشر ، والذي لا يمكن أن تبذره في النفوس إلا أم تمنح كيانها وعبقريتها لإنتاج البشر .
وليس بنا أن نقسو على المرأة ونحرمها متع الحياة وتحقيق كيانها الشخصي ، ولكن متى كانت الحياة تتركنا - رجالًا أو نساء - نستمتع كما نريد ، ونحقق كياننا كما نريد ؟ وحين تتملكنا الأنانية فنفضل أن نستمتع بذواتنا بغير حد ، فما الذي يحدث ؟ أليس يحدث أن تخلفنا على الأرض أجيال شقية ، تشقى بسبب أنانيتنا نحن وانحرافنا نحن ؟ أو ليست هذه الأجيال الشقية تشمل الرجال والنساء ؟ فهل ينفع قضية المرأة كجنس دائم على الأرض أن يستمتع بعض أفراده متعة زائدة في جيل من الأجيال ، ليشقى بقية أفراده في مقتبل الأجيال ؟
وهل يعاب على الإسلام أنه ينظر إلى البشرية كلها باعتبارها سلسلة متصلة الحلقات لا تنتهي عند جيل معين ، ولا ينفصل منها جيل عن جيل ، فيعمل لما فيه نفع الأجيال كلها ، ولا تستهويه شهوة جيل بعينه ، فينساق معه على حساب بقية الأجيال ؟
إنما كان يعاب عليه لو أنه يحرم المتاع في جميع صوره وأشكاله ، ويقف في طريق النزعات الفطرية فيكبتها ويمنع إشباعها .
فهل ذلك ما يصنعه الإسلام حقًا ؟
(محمد قطب)
الحضارة الإسلامية بين أسباب التدهور وعوامل النهوض
الدكتور إبراهيم غانم
حتى وقت قريب ساد الظن لدى كثيرين من المعنيين بشؤون الفكر والإصلاح الاجتماعي العام أنه قد تم التغلب على مشكلة الاحتلال العسكري الذي جثم على أغلبية البلدان العربية والإسلامية (ولم يبق إلا الاحتلال الاستيطاني الصهيوني) ، وأن عبء التحرر من الاستعمار المباشر قد زال إلى غير رجعة، وأن ما تملكه الأمة من طاقات يمكن أن يستثمر من أجل التصدي للمشكلات، وحتى وقت قريب أيضًا ساد الظن بأننا ماضون على طريق التخلص من المشكلات الأخرى التي أعاقت التقدم وعطلت نهضة الأمة منذ قرنين من الزمان تقريبًا، ومن ذلك القضايا المتعلقة بالاستبداد السياسي، والظلم الاجتماعي، والحريات العامة، وأوضاع المرأة، والانحطاط الأخلاقي.