فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 2255

ونحن هنا بصدد الحديث عن التخلف الفكري والعلمي الذي حل بالأمة الإسلامية. ونقصد بالتخلف الفكري ما حل بالأمة من تدهور الإنتاج الفكري الاجتهادي، وليس المقصود أن الأمة فقيرة في أفكارها، فالقرآن والسنة معين لا ينضب من الأفكار، ولكن الإنتاج منهما يتوقف علينا نحن كأمة مفكرة، وهذا قد تأثر كثيرًا بعد مرور القرون المشرقة من تاريخ الأمة. ونقصد بالتخلف العلمي أي التقصير في المجال التجريبي، وهو فهم الكون وقوانينه وتسخيرها في خدمة الإنسان والمهام المناطة به. فقد بدأ الانحطاط الفكري منذ اللحظات الأولى التي اعتمدت فيها طوائف من المسلمين، كالأشاعرة، المنطق اليوناني أساسًا في التفكير الإسلامي، وجعلوه بابًا ومدخلًا لأي علم آخر مهما كان نوع هذا العلم، بل قرروا أن من لم يعتمد المنطق الأرسطي فلا ثقة بعلومه، كما أفتى بذلك حجة الإسلام الغزالي. ولا يمكن لأمة أن تتقدم علميًا إذا كانت متدهورة فكريًا، وما حل بأمتنا خير شاهد على ذلك، على الرغم من محاولات التشبث بقاعدة"سبقناكم"التي يستند إليها أهل الإعجاز العلمي، الذي ربما يساهم بطريق غير مباشر في هذا التخلف.

لماذا أدى منطق اليونان إلى تخلف الأمة؟

المنطق الأرسطي اليوناني أسلوب من أساليب التفكير، بل هو أسلوب خاص جدًا، وهو اصطلاح فكري غير واقعي. ذلك أن الذين وضعوه والذين تبنوه من المسلمين، لا سيما الأشاعرة، عمدوا إلى تطبيقه على أرض الواقع في مجال العقائد عنوة. وبما أنه غير واقعي فقد اصطدموا بالواقع بعنف، إذ لا يمكن ان تضع الشيء في قالب لم يُصمم له، أو تُلبس أحدًا ثوبًا لم يُفصل على مقاسه. ولهذا أخذ الذين تبنوا المنطق الأرسطي في التراجع شيئًا فشيئًا واجراء التعديلات عليه، بدءًا من اسمه، لينتهي بهم الأمر إلى تهذيب المنطق والتحجر على ذلك، والاكتفاء بتدعيم المنطق والدفاع عنه دفاع المستميت. وربما نجد العزاء للأشاعرة في دفاعهم المستميت واليائس في نفس الوقت عن المنطق الأرسطي، ذلك لأن عقائدهم مبنية عليه، وعقائدهم قطعية، ولو انهار المنطق الأرسطي فهذا يعني انهيار العقائد القطعية، وذوبان ثلج هذا الجبل الشامخ ليظهر أن هذه القطعيات ما هي إلا وهميات.

هذا المنطق الخاص جدًا قد تعرض لنقد شديد جدًا من قبل المفكرين المسلمين، ورفضوه رفضًا قاطعًا، ولولا تبني الأشاعرة له لمات ودفن في مقابر الفكر، ولم يكن له أثر يذكر، وذلك من شدة ما تعرض له من ضربات قاتلة كادت أن تودي به، لخصها وزاد عليها ابن تيمية، الذي كانت له الذراع الطولى في نسفه وتقويض أركانه. لقد كشف هؤلاء المفكرون العباقرة عن زيف هذا المنطق وهشاشته، وأن ما لديهم من قواعد تغني عنه. فقد أبانوا عن هشاشة أصوله المتمثلة في التصور وبنائه على الحد المبني على مجرد فروض ذهنية خيالية، وكذلك أظهروا زيف القياس الذي يسمونه البرهاني وأنه مجرد دور وتحصيل حاصل، وأنه لا يمكن تحصيل العلم عن طريق هذا المنطق. وهذه الانتقادات هي نفس ما توصل إليه المفكرون العلمانيون من الغرب وزعموا أنهم بدأوا من ذاتهم. والحق أن كل ما توصلوا إليه موجود في الفكر الإسلامي، لكنهم تظاهروا بأنهم تجاهلوه ولم يقفوا عليه، وأنهم إنما رجعوا إلى أصول اجدادهم اليونان. كل ذلك من أجل التنكر لهذه الأمة ومنجزاتها ومن أجل أن يتشبثوا بأصول لهم.

وطبيعة المنطق الأرسطي جامدة مثل الأصل الفيزيائي الذي قام عليه، أي علم الجوامد. وهو تصنيفي تحليلي يجمد التفكير ويحجره، ولهذا لا يرى المشتغلون به أي جديد في الدنيا، لأنه لا بد أن يضعوه في رفوف هذا المنطق. ومن الطرائف أننا عندما كتبنا عن المفهوم الصحيح لعقل المرأة في الإسلام، زعم الأشاعرة أننا لم نأت بجديد وأنهم يعلمون ذلك من قبل، لأنهم يعرّفون الإنسان بالحيوان الناطق، كما فعل معلمهم الأول ارسطو، والمرأة إنسان فهي ليست ناقصة عقل ! هذا مع أن كبار ائمتهم من القدامى والمعاصرين يصرحون بدون مواربة بنقصان عقل النساء وضعفهن في المحاججة. وهذا ما حصل بالضبط في امتنا عندما تبنت المنطق هذا، فلم تر أي جديد خارج نطاقه، ولم تنفع كل الانتقادات والضربات الشديدة من قبل عباقرة الأمة، التي لو تبنتها الأمة لسبقت الغرب قرونًا في التقدم العلمي التجريبي، ولكن هيهات هيهات وكبار أئمة الأشاعرة وغيرهم قد جعلوا من المنطق صنمًا فكريًا مقدسًا لا محيد عنه.

الإعجاز العلمي ... تقدمٌ أم تخلف؟

الإعجاز العلمي هو بيان أن ما توصلت إليه الحضارة الغربية من أفكار علمية موجود لدينا في نصوص القرآن والسنة، على قاعدة"سبقناكم"، وهذا يدل على إعجاز القرآن والسنة وانهما من الله. فهل في هذا ما يؤدي إلى أي تقدم علمي يمكن أن تحصله الأمة الإسلامية؟ أم يا ترى أنه يمكن أن يؤدي إلى تخلفها كما حصل مع منطق اليونان ولو بشكل غير مباشر؟ ذلك أن العمل في الإعجاز العلمي يمكن أن يؤدي إلى مزيد من النوم والاسترخاء بانتظار ما يجود به علينا الوسط العلمي الغربي، وما علينا الا مجرد الانتظار والفهم والمطابقة مع النصوص.

ثمة فرق بين المتبنين للإعجاز العلمي ومن تبنى المنطق الأرسطي، في أنهم في الإعجاز العلمي يقولون بأنهم يستندون إلى الحقائق العلمية التي ينتجها الغرب. كما أنهم لم يجعلوا ذلك في صلب العقيدة وانما اعتبروه وسيلة للدعوة، لا سيما لمن يفهم لغة الإعجاز العلمي كي يدخلوا في الدين.

لقد فتح الإعجاز العلمي الباب على مصراعية لتحقيق مقولة السبق، حتى ولج فيه الكثيرون وتعرضوا لأمور نخشى أن تتحول إلى أن تكون نقمة على الدين بدلًا من أن تكون منقبة كما أريد لها. لقد اصبح المشتغلون في هذا المجال يتصيدون أية فكرة ثم يبحثون عن نص فيه شبهة منها، ثم يخرجون بفكرة السبق في هذا المجال، حتى لم تسلم منه أمور الفها الناس وعرفوها في عصر النبوة ويعلمها أهل الطب والخبراء في ذلك المجال.

إذا كان على المشتغلين بالإعجاز العلمي أن يثبتوا مصداقية ما يقولون، فعليهم أن يقلبوا المنهج الذين يشتغلون به. اننا نطالبهم أن يكتشفوا حقائق جديدة بناء على تأملاتهم في القرآن الكريم أو السنة بدلًا من الانتظار على أبواب العلم الغربي ثم مقارنته بالنصوص والإدعاء أننا سبقناهم إليه منذ قرون. فهل يا ترى سيفلحون في ذلك، وإذا أفلحوا فهل ستمر أبحاثهم دون موافقة المؤسسات العلمية الغربية على ذلك؟ قد يكون من المفيد أن نفكر في العمل على الإعجاز الفكري الذي هو اقرب لحضارة الأمة وتراثها، بدلًا من انتظار أفكار ينتجها غيرنا ثم ندعي أنها عندنا وأننا سبقناهم إليها.

المرأة الإيجابية

لماذا الحديث عن المرأة الإيجابية؟..

1-لأن المرأة طاقة عظيمة، وقوة كبيرة في الخير أو في الشر.. إن استغلت في الخير أصبحت محضنًا يربي الأجيال ويخرّج الأبطال، فهي مدرسة إيمانية كما قال حافظ:

الأم مدرسة إذا أعددتها *** أعددت شعبًا طيب الأعراق

فهي مدرسة إن أُعدت لمهمتها..

وإن أهملت إلى تيارات الفساد أصبحت معول هدم للأمة وباب فتنةٍ كبرى ومصيبةٍ عظمى.. لقد زالت - يوم أن فسدت المرأة - حضارات كانت في يوم من الأيام مكينة، ولها في الحضارة المادية مكانة رفيعة.. ففسدت المرأة فخرّ عليهم السقف من فوقهم.. ونحن نرى اليوم الحضارة الغربية وأثر المرأة في فسادها وترنحها.. [ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء] ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت