وأفرزت هذه النوازل بالحركة الإسلامية الأم العديد من"الجماعات"الإسلامية التي أعلنت رفضها وتمردها على الأوضاع السياسية والاجتماعية، وطال تمردها الحركة الأم ذاتها لاختلاف هذه الجماعات معها حول منهج التغيير، حيث رأى هؤلاء أن أمر التحرر من قبضة الحكام المُكَفرين لا يحتمله الزمن الذي يجب اختصاره بمختلف أساليب القوة التي ألبت عليهم الأهل والأصدقاء، فضلا عن الحكام الذين اتخذوا من إرهاب هذه الجماعات غير المشروع مبررا لفرض الطوق والحصار على رغبة شعوبهم نحو التطور والتقدم، أو على الأقل تجاوز التخلف.
ثم تظهر بالضرورة من بين ثنايا المناخ السياسي للاستبداد - حتى لو اتشح بثوب الديمقراطية المزعومة - طلائع من الدعاة الجدد، فضلوا الابتعاد عن الصدام السياسي وتغيير لغة وأسلوب الخطاب الديني بشكل يتوافق مع مهادنة الدولة والبعد عن الصدام معها، كذلك هجر الأسلوب التقليدي في الوعظ والإرشاد وانتقاء محاور في العقيدة والسيرة النبوية التي تدور حول أقوال وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل البيت، مما كان يدغدغ مشاعر المحبة والذوبان في محبة الرسول واستنبات دوافع الالتزام بسنته وتعاليم القرآن الكريم.
نوعية الخطاب وتأثيراته
كان يغلب على الخطاب الديني لهؤلاء الدعاة الجدد السمت الوجداني أكثر من مقارعة الحجج الفكرية للأفكار العلمانية المضادة، مما جعل الانتعاش القلبي للمستمعين والمشاهدين يحلق بهم في آفاق الجمال والمتعة القلبية التي من شأنها أن تنسيهم هموم الدنيا وأعباء الحياة، وقد تُشكل لهم طاقة وقوة دافعة لتعديل ضروب سلوكهم وتصرفاتهم غير الملتزمة إلى أخرى ملتزمة، كان أبرزها التزام الفتيات بالحجاب وإقبال الشباب على إطلاق اللحى، ثم حرص البعض على صلاة الجماعة وصلوات القيام في رمضان وختم القرآن في العشر الأواخر منه.
وقد أخذت مساحة العبادات حيزا أكبر مما شغلته مساحة الالتزام الدقيق في المعاملات والتصرفات التحررية في مظاهر المناسبات الاجتماعية الوافدة من ثقافة الغرب، فلا مانع من الابتهاج بالرقص الجماعي في مناسبة زفاف أو عيد ميلاد وأمور أخرى مسكوت عنها في اجتهادات الفقه المعاصر.
الأمر الآخر هو الجمهور المخاطب الذي تنوع في باكورة نشاط الدعاة الجدد بين أبناء الشرائح العليا من الطبقة المتوسطة وبين بعض أبناء النخب من الطبقة الأعلى، ثُم اتسعت الدائرة بعد الانتشار الإعلامي لبعض الدعاة الجدد الموهوبين لتشمل الكثير من شباب طبقة البسطاء من الناس الذين تمكنوا من مشاهدة الفضائيات، خاصة بعد انتشار استخدام الوصلات السلكية في القرى والأحياء الشعبية.
قد يكون انتشار تأثير الدعاة الجدد بين أبناء الطبقة الوسطى من وسائل تدعيم بنية هذه الطبقة، ومحاولة غير مقصودة - أو مقصودة - لرد الاعتبار لهذه الطبقة بعد أن أخذت في التآكل وغياب دورها في النهضة الفكرية والسياسية والاقتصادية، مما أدى إلى حدوث فراغ اجتماعي بين طبقة الأثرياء وطبقة البسطاء في الوظائف الاجتماعية فضلا عن البنية الاجتماعية.
وبالرغم من الذكاء السياسي الذي اتسمت بها ظاهرة المتدينين والدعاة الجدد، وعدم احتكاكها بالسلطة والميل إلى مهادنتها، فإن واقعها يحمل مضمونا سياسيا مستترا ستظهر آثاره في الزمن الآجل، مما يقلق النظم السياسية خاصة في مصر ويدفعهم للإعلان عن هواجسهم المريضة التي توشي بعدم ثقتهم بأنفسهم، واعتبارهم التدين المستحدث - رغم اعتداله - هو محاولة لاختراق العقول النيرة من الشباب المتعلم وصبغها بالسمت الإسلامي الذي سيُظهر هويته بالضرورة بعد أن يتبوأ هؤلاء الشباب مراكز اجتماعية مرموقة من شأنها أن تؤثر في صنع القرار الذي قد يكون ضد التيار المحافظ الذي يحرص النظام الحاكم على جريانه للحفاظ على مصالح قممه وحراسه.
مناورة حضارية!
إن التدين الجديد منهج مستحدث للتغيير الاجتماعي، ومناورة حضارية للوصول إلى أسلمة المجتمع، وقد يمثل خلفية مساندة للحركات الإسلامية المعاصرة دون الظهور في الصورة أو محاسبته سياسيا، مثل الأحزاب السياسية والجماعات الإسلامية التي تضع المشاركة السياسية في الحسبان.
وهذا المنهج الدعوي يضع نصب عينيه دعوة جميع أطراف البنية الطبقية، والصعود إلى قمة الهرم السياسي، من خلال شبابه، والنزول إلى قاع القاعدة الهرمية بين بسطاء الناس، ومرورا بطبيعة الحال بأبناء الطبقة الوسطى، وهذا المنهج سينعش بالضرورة اتجاهات الشباب نحو التغيير.
وبالرغم من عدم التنسيق بين مجهودات هؤلاء الدعاة، فإن أغلبهم يسير على مسارات متوازية مع حركة"الإخوان المسلمين"في مصر ونظيراتها في العالم العربي، رغم اختلاف البعض مع توجهاتها أو منهجها في العمل.
التطور واستشراف المآلات
وإذا رصدنا عملية وظاهرة التدين الجديد، نجد أنها تطورت عند عمرو خالد من السرد القصصي المشوق لسير الأنبياء وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم وزوجاته وأهل بيته وصحابته، إلى الاقتراب من فرص المشاركة في عملية التنمية وصناعة الحياة، وهذا هو الهدف الحضاري المشترك بين المنهج الذي أصبح يدعو إليه وبين حركة الاستنارة الحديثة التي ينادي بها منهج الحركة الإسلامية الأم لتحقيق الغاية من رسالة الإنسان لاستخلافه على عمران العالم والتقرب إلى الله تعالى وهداية الناس لعبادته.
ولكن التدين الجديد الذي أخذ ينتشر على رقعة اجتماعية واسعة يمكن أن يتعثر إذا عمل بمفرده ولم يأخذ في اعتباره جهود العمل الإسلامي المستنير في شتى جوانب الحياة. وقد ينحرف عن طريقه إذا تحول عند بعض الدعاة الآخرين إلى مجرد مشروعات تجارية أو استثمارية بسبب ثورة الاتصال ووسائلها الإلكترونية المتاحة.
التربية والحضارة عند مالك بن نبي ..كتاب جديد
مفكرة الإسلام: صدر حديثا عن منشورات عالم الأفكار كتاب التربية والحضارة للباحث محمد بغداد بأي، وهو كتاب يبحث في مفهوم التربية وطبيعة علاقتها بالحضارة في تصور مالك بن نبي.
ويعد كتاب التربية والحضارة هو أول عمل فكري يقدم للنشر، حيث يوحي عنوانه بإشكاليات أساسية تضمنتها جميع مشاريع النهضة الفكرية والحضارية .
كما يوحي الكتاب منذ البداية بالجدل المتبادل بين الحضارة كبناء شامل والتربية باعتبارها أداة تعيد إنتاج النمط الحضاري وتجديده كلما دب الخمول في أوصاله.
فالحضارة متى اشتدت قوتها وإشعاعها كانت تسري قوتها في مختلف مظاهرها، والتربية متي كانت فعالة ومستلهمة لأدوات الحضارة المنتسبة لها كانت هي الروح المجددة للفعل الحضاري. وإذا كانت التربية، كما يبيّن لنا الكتاب والتي يتطابق معناها مع معني الثقافة، آلية لإنتاج النمط الحضاري في المراحل التاريخية الأولي لميلاد المجتمع، فإنها أيضا آلية لبعثه من جديد وللمحافظة عليه في المراحل اللاحقة من تطوره. والآلية هذه يتحدد مداها بصورة عامة في إطار المنتوج القيمي للمجتمع. وهي إذ تنصب علي ذلك المنتوج، فإنها تضع في الحسبان شيئا أساسيا هو تجديد ذلك المنتوج القيمي، والبحث عن أساليب تفعيله بما يخدم الفرد المعاصر المنتمي لذلك التراث القيمي والنمط الحضاري، بهدف تحقيق تواصل حضاري بين أفراد وأجيال الأمة الواحدة.
وقد جاء في كلمة الناشر أن الكتاب تناول جملة من المفاهيم الأساسية التي تهم الفعل الحضاري والتربوي في محاولة لتحديد مضامين هذه المفاهيم وتفعيلها في سياق رؤية حضارية وتربوية توحّد بين البعد الثقافي المحلي والبعد الإنساني.