فهرس الكتاب

الصفحة 1972 من 2255

فحقيقة الحضارة عند مالك بن نبي وكثير من المفكرين هي أعمّ من العمران المادي؛ وهذا ما دعا البعض للتميز بين مصطلح (الحضارة) ومصطلح (المدنية) باعتبار الاشتباه اللغوي بينها؛ فالمتحضر هو الذي يسكن الحواضر، والمتمدن هو الذي يسكن المدن، لكن حين وجد كثير من المفكرين والباحثين أن ارتقاء حياة الإنسان ذو بعدين أساسين: بُعد شكلي، وبعُد داخلي؛ رأوا أن يطلقوا مصطلح (المدينة) على ما يتم من ارتقاء في مضامين الحياة الحضرية، ومصطلح (الحاضرة) على الارتقاء الشكلي الذي يتمحور حول وسائل العيش وأدوات الإنتاج وطريقة تنظيم البيئة - وليس هذا بمطرد عند الكل -.

وفي المذهبية الإسلامية التي ننظر من خلالها للكون والحياة اهتمام شديد بمسألة التفريق بين المدنية والحضارة.

فقد ذمّ الله -عز وجل- أممًا وأقوامًا قطعوا أشواطًا في العمران، واستخدام الموارد، وتصنيع الأدوات، لكن عتوّهم عن أمر الله -تعالى- وفساد مضامين نظمهم العمرانية؛ تسبب في هلاكهم وإبادتهم. وفي هذا يقول الله -عزّ وجلّ: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (10) . وقصّ علينا ما بلغه قوم ثمود من الارتقاء والقوة: )وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (11) ، ولكن القوم كفروا وأعرضوا عما قاله لهم أخوهم صالح؛ فكانت النتيجة أن أخذتهم الرجفة:"فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين"

وفي المقابل؛ فإن المدينة المنورة التي شهدت أول مجتمع إسلامي، لم تكن في أوضاعها المدنية تتجاوز ما عليه قرية صغيرة في أي بلد من بلدان العالم الثالث اليوم. لكن ذلك المجتمع كان حسب المقاييس المدنية -وهي شبه عامة- يشكّل قمة التمدن والرقي الخلقي والسلوكي والعلائقي. ففي المجتمع المدني كانت الأهداف الكبرى واضحة، والغايات مشرقة، وقد بلغ من وضوحها وسيطرتها على النفوس أن كان المسلمون -حتى الأطفال - يتسابقون إلى نيل شرف الشهادة على نحو لم يسبق له مثيل في التاريخ، وكان من المسلمين من يعمل ويجتهد ليتصدق ببعض أجره في المساء, وبلغ الناس من النقاء وحب التطهر أن اعترف أمام النبي -صلى الله عليه وسلم- بعض الرجال والنساء بارتكاب جرائمهم مطالبين بكل إصرار أن ينزل عليهم عقوبة الدنيا ولو كانت الرجم بالحجارة حتى الموت حتى يلقوا الله تعالى وهو عنهم راض.. وبلغت شفافية الحكم والدولة أن كان مرتّب الخليفة لا يزيد على نفقة الطعام مع كسوة قليلة.. وخلا ذلك المجتمع من مظاهر تسلط الدولة فالقضاء والسجون ورجال الشرطة.. أمور هامشية إن لم تكن معدومة.. ومهما بيّنا درجة المدنية التي بلغها المجتمع الإسلامي آنذاك؛ فإن الحقائق تظل أكبر من الكلمات (12) .

وخلاصة القول: إن مقصودنا من استخدام كلمة (الوعي) في سياق المفهوم الحضاري الشامل للمدنية؛ يمكن تحديده بأنه:"أدراك الفرد ومؤسسات المجتمع المختلفة بمسؤولياتهم الكبرى في بناء الشخصية الإنسانية المتكاملة والسعي في دفع عملية النهضة والتقدم المعنوي والمادي من خلال إصلاح الفكر والسلوك والواقع".

بقي أن نتحدث عن مشكلات الوعي الحضاري ومقوماته التي تنهض به، ولعل ذلك يكون في مقالنا القادم -بإذن الله- والله الموفق للحق والصواب..* رئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن

1 -سورة الإسراء 70.

2 -سورة الرعد 11.

3 -سورة آل عمران165 .

4 -معجم مقاييس اللغة 6/124

5 -سورة الحافة 12

6 -سورة المعارج 18

7 -انظر: تجديد الوعي لبكار ص6

8 -انظر: المعجم الوجيز ص 157 إعداد مجمع اللغة العربية في القاهرة .

9 -مقدمة ابن خلدون 2/36.

10 -مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي لمالك بن نبي ص 50 .

11 -سورة الروم9.

12 -سورة الأعراف 74.

13 -انظر: تجديد الوعي لبكار ص 120-126, مقدمات للنهوض بالعمل الدعوي لبكار ص353.

أمريكا والانهيار الحضاري: حقيقة أم وهم؟

بقلم خباب بن مروان الحمد

"...فلنتفاءل ولنمضِ على طريق الإباء ، فإنَّ مما يبشرنا أنَّ الأمة الإسلامية ولله الحمد أمَّة شابة نامية ولود ، وراجعة لكتاب لربها وسنة رسولها ، ولا أدلَّ على ذلك من هذه الصحوة الإسلامية ، واليقظة العلمية الفكرية الجهادية الدعوية في أوساط شباب الأمة..."

الحمد لله ناصر المؤمنين ، وقامع الكافرين ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أمَّا بعد:

(إنَّ التاريخ ـ وبالدقة ذاتها ـ لا يكرر أبدًا نفسه، ولكنه غالبًا ما يوجه صفعاته، إلى أولئك الذين يتجاهلونه كليًا)

بهذا سطَّر أحد أشهر المؤرخين المعاصرين الأمريكان [بول كينيدي] مدير مركز الدراسات الأمنية الدولية بجامعة بيل ، وأستاذ التاريخ فيها

وصدق!فإنَّ أمريكا تتجاهل تاريخ الأمم السابقة التي سادت ثمَّ بادت (فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين) ومن الجيد أن نقارن بين واقع الإدارة الأمريكية بواقع الأمم الكافرة التي تكبرت على منهج ربها وآذت عباده ، فلعل الربط بين الواقع الحاضر و تاريخ الماضي يوضِّح لنا دلالات ، ويجلي لنا أمور غامضات ، وقد أمرنا تعالى في محكم التنزيل بأن نعتبر بما وقع للمؤمنين والكافرين من قصص وأخبار حيث قال (فأخذه الله نكال الآخرة والأولى*إنَّ في ذلك لعبرة لمن يخشى) .

ومن هذا المنطلق فلعلي أربط بين منطق الطغاة في القرآن الكريم وأفعالهم مع المؤمنين ، بمنطق طغاة أمريكا وأفعالهم مع عباد الله كافرهم ومسلمهم ، كي يُعْلَمَ أنَّ التأريخ يعيد دورة الأيام ولكن بأسماء أخر، وأفعال تبتكر، وجرائم تحضَّر، وما أشبه الليلة بالبارحة!! ومن جميل كلام الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: (فأمرنا أن نعتبر بأحوال المتقدمين علينا من هذه الأمَّة ،وممن قبلها من الأمم ،وذكر في غير موضع أنَّ سنَّته في ذلك مطَّردة وعادته مستمرة ،فينبغي للعقلاء أن يعتبروا بسنَّة الله وأيَّامه في عباده ، ودأب الأمم وعادتهم) (انظر:كتاب الجهاد لابن تيمية2/7ـ جمع الدكتور/ عبدالرحمن عميرة) .

وعليه فقد أزمعت الرأي مستعينًا بالله في البحث والكتابة لتوضيح سياسات هذه الدولة ليعتبر المسلم قبل الكافر ، مستشرفًا في ذلك المستقبل الذي بدأت خيوط نوره تلمع ، وحجب ظلامه تزول وتُقْشَع ، بأنَّ مصير هذه الدولة إلى سفال ، ولو امتدت الأيام ، فحقٌ على الله ما ارتفع شيء إلا وضعه ، ولن يبقى إلا الإسلام العظيم يحكم البشرية في أرض الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت