فهرس الكتاب

الصفحة 883 من 2255

أما السبب الأول: فمردّه إلى طبيعة حاضر الواقع العربي والإسلامي الذي يعيش في ظلاله الشاعر والمتّسم بالتخلّف والسقوط والذي يعيش منذ بداية القرن مرحلة القصعة إن صحّ التعبير: حيث تتربص القوى العالمية الملحدة على اختلاف توجّهاتها وانتماءاتها بالمسلمين , لترميهم عن قوس واحد , مسخّرة في سبيل ذلك كلّ آلياتها وعلومها ... في محاولات متكررة ومتجدّدة ومدروسة لدحر الإسلام وذبح المسلمين وافنائهم: فمن محاولات الاستعمار العسكري إلى محاولات الاستيلاء الاقتصادي إلى الاستعمار الثقافي ... إلى الجرثوم الصهيوني في الجسد الإسلامي .

وهكذا نرى التاريخ يعيد نفسه كما يقال وتعود هذه المرّة دبابات اليهود ومصفّحاتهم , بدل خيول النصارى ... لتعربد فوق الأرض المقدسة وتذبّح وتدمّر وتشرّد...

حتى إذا حانت من الشاعر التفاتة واعية إلى هذه الجهة أو تلك من الوطن الإسلامي الذبيح ... صدمته مشاهد الذلّ والهوان وعصره الألم والحزن لما يرى من تغيّر الحال بهذا المكان المقدّس , خاصة , وما لحقه من مظاهر الإذلال والهزيمة ....

وفي كل يوم له صرخة وفي كل يوم يقاسي العذاب

يعيث بساحته المفسدون ولا من حساب ولا من عقاب

وكم مرّة حاولوا نسفه ولكن تخيب مساعي الذئاب (71)

ويمتد الحزن عمقا في وجدان الشاعر وتزداد وطأة الإحساس بمرارة الواقع على القلب المرهف ... كلما حاول تقليب صفحات من دفتر المعاناة الإسلامية والمعاناة الفلسطينية بصفة خاصة إذ تروّعه مشاهد اللاجئين والمشرّدين وصورة الطفولة المحرومة الضائعة واليتم المبكّر الذليل والعرض المهتوك ...

... أما فلسطين فسيل دمائها لم ينقطع وعيونها لم ترقد

اللاجئون وهذه أكواخهم كالعار عن أنظارنا لم يبعد

في كل كوخ لوعة ومناحة من طفلة تبكي وشيخ مقعد

ويتيمة تلوي إليك بجيدها تشكو الهوان بحسرة وتنهّد

وكريمة لعب اليهود بطهرها وبها تمتّع رائح أو معتد (72)

إنها هموم الوطن الذبيح ومعاناة الأمة المجروحة تعصف بوجدان الشاعر عصفا مبرحا فتؤرقه وتذهله عن نفسه وأهله وخلاّنه ... وكيف لا ؟؟ وفي كل ناحية من وطنه بيت يقوّض وأرواح تزهق ودماء تسيل وأعراض تدمى...

وجع ألم فغبت في أحزاني وذهلت عن أهلي وعن خلاّني

يا أيها الذبيح وأنّها لخناجر الأحبار والرهبان

في كل ناحية دماء ضحية وركام بيت غاب بين دخان

ماذا أقول عن الجريمة إنّها فوق الحروف وفوق كل بيان

ماذا أقول وكل حرف في فمي حجر فهلاّ تنطق الشفتان

من ثلث قرن والعذاب يسوطني وأنا أجالدهم على الغدران (73)

هذا الوضع القاتم المضطرب بكل ملامحه المحزنة, والذي يعيش في أحضانه الشاعر ... يذكّر المسلمين اليوم بأيام سلفهم إبّان الغزو الصليبي الحاقد عندما وطئت خيل النصارى رحاب الأقصى وتوزّع البغاة الأشرار بين الدّيار الإسلامية ينشرون الرعب والدمار ...

كما يتذكّرون معه ذلك الفجر الساطع الذي أعقب ذلك الليل البهيم وطلعة ذلك القائد المنقذ - صلاح الدين - الذي دحر العدو الكائد واستردّ راية النصر ليرفعها عالية في الفضاء الإسلامية.

وأما السبب الثاني: فهو راجع إلى خلوّ الساحة الإسلامية من قدوة جهاديّة قياديّة فذّة في مستوى متطلبات المرحلة ... تعيد ماء الوجه إلى الأمة المجروحة , وترفع الغبن عن الذات الإسلامية: فكلما تأملنا في واقعنا العربي والإسلامي المعاصر وبحثنا عن نماذج حيّة لتلك القيادات الرائعة التي نحتفظ بصورها في وجداننا, تثأر للشرف الإسلامي وترفع راية الدين, وتجمع شتاتنا وتوحّد طاقاتنا وقوانا ... اصطدمت أنظارنا بصور باهتة وأنماط هشّة من زعامات لا تملك من مواصفات القيادة وفاعليتها وخصائصها شيئا ... إنمّا هي:

رتب وتيجان وسلطان وأخبار طويله

وتخيفهم يا للفضائح والأسى عصب دخيله ...

وقد اختارت موقف"الجلوس على الربوة"رغم حساسية الوضع وخطورة المرحلة ... لاهية بما توفّر لها من أسباب الخمول والقعود ... عن اقتحام الميدان وخوض وطيس المعركة:

والقدس في أسر اليهود وهم على دنّ وراح

والمسجد الأقصى غدا في الأرض مغلول السّراح

لندائه في كل قلب مؤمن وخز الرماح

أين الذين يقودهم للبذل ذبحي واجتياحي

ويقول هل من ضمضم عن طهر أمته يلاحي

وتلفّت الميدان هل من طارق هل من صلاح ؟؟ (74)

إذن في غياب هذه القيادة الجهادية الميدانية المنشودة ... وفي قتامة هذا الوضع العربي الإسلامي الراهن ... ومع تحدّيات العصر الضاغطة ... يجد الشاعر الإسلامي المعاصر نفسه مدفوعا إلى ابتعاث صورة ذلك القائد الهمام , بطل المواقف: صلاح الدين الأيوبي رضي الله تعالى عنه , ومناجاته وترديد ذكره في كثير من القصائد التي ترسم معاناة الأمة الإسلامية وتترجم هموم المسلمين ... كمحاولة لملأ الفراغ القيادي الحاصل واستفزاز المسلمين وتحريضهم وحثّهم على التأسّي والإعتبار ...

شواهد شعرية:

إن اسم صلاح الدين يرتبط ارتباطا وثيقا بالقدس: فهو الذي حرّرها من أسر الصليبيين وكيدهم ... وردّها إلى حظيرة المسلمين بعد جهاد طويل .... واليوم القدس في أسر اليهود ترنو إلى من ينقذها ويفكّ أسرها من مخالب الصهيونية الحاقدة . ويطرد عنها جيوش الغاصبين , إنها تتطلّع إلى صلاح الدين كي يحرّرها مرّة أخرى من براثن الأعداء:

فالمسجد الأقصى المبارك يستغيث أتسمعون

والناس كل الناس في أوطاننا يتصايحون

قم يا صلاح الدين إذ بني العروبة نائمون

قم فالصليبين عادوا كالأفاعي ينهشون

فاخلع نيوبهم التي بسمومها يتحرّكون (75)

وكأني بصلاح الدين يسمع الشكوى وتحزّ في نفسه البلوى ... فيمتطي صهوة جواده مدجّجا بسلاحه وعتاده ... ويشرف على الأقصى يناجيه:

ولست أنسى صلاح الدين وهو على مشارف المسجد الأقصى يناجيه:

جئنا إليك فصبرا إن أمتنا رأت لعمرك رأيا سوف تمضيه

جئنا إليك نردّ الغاصبين وما قد هدّموا منك بالأرواح نبنيه

فشعبنا في سبيل الله قد غضبت منه الحواضر واهتزّت بواديه

والشرق ثار فلا عرب ولا عجم بل مسلم واضح من غير تمويه

فازينّت أرضنا من بعد غصّتها وهللّ المسجد الأقصى ومن فيه ... (76)

هكذا سيظل صلاح الدين: القائد الإسلامي الفذ يعيش في وجدان الشاعر ويتردّد ذكره في أشعاره لمّا غنّى عن المعاناة الإسلامية في فلسطين المغتصبة ... إلى أن يأتي من يحتلّ مكانه ... وما ذلك على الله بعزيز

الكتابة العربية المعاصرة في السيرة النبوية، قضايا وملاحظات

أحمد بن محمد فكير- كلية الآداب- أكادير

خطة البحث:

*/مقدمة:

*/قضايا في الكتابة العربية المعاصرة في السيرة النبوية:

المبحث الأول: التشكيك في كتب الحديث والسيرة النبوية:

المبحث الثاني: إنكار الأحاديث الصحيحة:

المطلب الأول: حديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم.

المطلب الثاني: حديث خوخة أبي بكر رضي الله عنه.

المطلب الثالث: حديث أن النبي كان لا يشبع من الطعام.

المطلب الرابع: حديث أن النبي مات ودرعه مرهونة عند يهودي.

المطلب الخامس:حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون.

المبحث الثالث: إنكار المعجزات والتشكيك فيها والتعسف في تأويلها:

المطلب الأول: معجزات قبل النبوة:

معجزة الطير الأبابيل.

معجزة شق الصدر.

معجزة تسليم الحجر على النبي صلى الله عليه وسلم .

المطلب الثاني: معجزات بعد النبوة:

معجزة الإسراء والمعراج .

معجزة انشقاق القمر.

معجزات الهجرة .

*/خاتمة:

مقدمة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت