أين الذي مازال سلطانا لنا يرجى نداءه و تتّقى سطواته
في نصرة الإسلام يسهر دائما لتطول في روض الجنان سناته
لا تحسبوه ممات شخص واحد فممات كل العالمين مماته (61)
وفي اللوحة النابضة التي ينقلها لنا أبو شامة في الروضتين عن يوم فاجعة الأمة بموت قائدها المجاهد, دليل واضح عن علوّ المكانة وسموّ المقام الذي يتبوّؤه هذا الرجل العظيم (رضي الله عنه) في ضمير الأمة الإسلامية . يقول أبو شامة (62) : كان يوما لم يصب الإسلام والمسلمين بمثله منذ فقد الخلفاء الراشدين, وغشي القلع والبلاد والدنيا من الوحشة ما لا يعلمه إلا الله تعالى . وتاالله لقد كنت أسمع من بعض الناس أنهم يتمنون فداء من يعزّ عليهم بنفوسهم فكنت أحمل ذلك على ضرب من التجوّز والرخص, إلا ذلك اليوم فإني علمت من نفسي ومن غيري أنه لو قبل الفداء لفدى بالنفس ... ثم يسترسل مبيّنا حالة الناس عند توديع الجثمان: ... حتى أن العاقل يتخيّل أن الدنيا كلها تصبح صوتا واحدا, وغشى الناس من البكاء والعويل ما شغلهم عن الصلاة, وصلى الناس عليه أرسالا.
الشاعر يرثي صلاح الدين:
وإزاء هذا الموقف الجليل, ما كان للشاعر المسلم, المتميز بشفافية الحسّ ورقّة الوجدان وسرعة التأثر ... أن يلزم الصمت ويلوذ باللامبالاة, مع العلم وأن الموت نهاية كل حيّ ولا مفقود أعز من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إلا أن الشاعر ينبري بحساسية الشاعر الملهم والتزام الجندي المخلص ووفاء المواطن الصالح ... ليملأ أذان الدهر بقصائد تسيل رقة وشفافية وصدقا, مترجما انفعال الشعور العام الإسلامي وتأثر ضمير الأمة بموت قاهر الصليبيين وناصر الإسلام .
من للعلا من للذّرى من للهدى يحميه من للنّاس من للنّائل ؟
طلب البقاء بملكه في آجل إذ لم يثق بقاء ملك عاجل
بحرّ أعاد البرّ بحرا برّه وبسيفه فتحت بلاد الساحل (63)
أو بمثل:
شمل الهدى والملك عمّ شتاته والدهر ساء وأقلعت حسناته
أين الذي من لم يزل مخشيّة مرجوّة رهباته وهبّاته
أين الذي كانت له طاعاتنا مبذولة ولربّه طاعاته (64)
بمثل هذه الأبيات الصارخة والصادقة بكى الشعراء قائدهم ... وقد يرى البعض أن فيها شيئا من التهويل والمبالغة ... إلا أن مكانة الرجل قلوب مواطنيه تعذر للشعراء شدة تأثرهم وعمق تحسّرهم وطول بكائهم ... وكما يقول الدكتور محمد عي الهرفي (65) : قد كانت وفاة صلاح الدين كارثة عظيمة على الأمة الإسلامية كلها, وترك خلفه فراغا هائلا يصعب ملؤه ولذا كان من الطبيعي أن يبكيه الشعراء ويحزنوا لوفاته وكان من الطبيعي أيضا أن يعبّروا عن آلام الأمة الإسلامية التي أصابتها في الصميم .
وفي الحقيقة , أن المكانة التي يحظى بها صلاح الدين في قلوب المسلمين والإكبار الذي يوليه هؤلاء لهذا البطل القائد , مردّه - في تقديري - إلى سببين هما: الجاذبية الخلقية والجاذبية العملية اللذان انفرد بهما صلاح الدين عن باقي معاصريه من الملوك والأمراء.
الجاذبية الخلقية:
فقد لمس الشعراء في هذا القائد جماع الخصال العالية والخلق السامي من تقوى وورع وإخلاص وتجرّد وسماحة ومروءة وعفو وجود وإحسان ورجولة وشهامة وبطولة وهي من مقوّمات الأسوة الحسنة ومستلزمات القدوة الصالحة التي يحنّ إليها وينجذب إليها الضمير المسلم ..
حتى قال أحدهم:
رأيت صلاح الدين أفضل من غدا وأشرف من أضحى وأكرم من أمسى
وقيل لنا في البحر الأرض سبعة أبحر ولسنا نرى إلا أنامله الخمسا
سجيّته الحسنى وشيمته الرّضى وبطشته الكبرى وعزّته القعسا (66)
وقال آخر:
ملك إذا علقت يد بزمامه علقت بحبل في الحفاظ متين
والبحر لو مزجت به أخلاقه لغدت مياه البحر غير أجون
والأرض لو شيبت بطيب ثناه لم تنبت سوى الخيريّ والنسرين (67)
الجاذبية العملية:
ولعل أهم ما رفع من قيمة صلاح الدين وأعظم قدره عند المسلمين إلى جانب ما ذكرنا من خلقه وسلوكه, هو جهاده الخالص الصادق في سبيل الله وعزمه وحرصه على نصرة الدين وتحرير القدس: فقد رأى فيه المسلمون منقذا للدّيلى الإسلامية وثائرا لكرامة الأمة وقائدا شهما لكتائب الجهاد , في وقت تخاذل فيه الكثيرون عن الحركة والجهاد وأحدقت بالمسلمين جيوش الصليبين وشرار النصارى فما كان من صلاح الدين إلا أن ردّهم على أدبارهم ولم ينالوا خير ولقّنهم درسا في القتال لم يعهدوا مثله ... وبذلك أعاد الثقة والعزّة والقوة إلى المسلمين .وإلى أمة الإسلام المجد والنصر والتمكين .
وفي الشعر الإسلامي إشارات واقعية صادقة لأعمال القائد العملاق وجهاده:
يا ناصر الإسلام حين تخاذلت عنه الملوك ومظهر الإيمان
بك قد أعزّ الله حزب جنوده وأذلّ حزب الكفر والطغيان
وغضبت لله الذي أعطاك فصل الحكم غضبة ثائر حرّان (68)
أو مثل:
ملك إذا علقت يد بزمامه علقت بحبل من الحفاظ متين
قاد الجياد معاقلا وأن اكتفى بمعاقل من رأيه وحصون
وأعدّ للأعداء مهنّد ومثقّف ومضاعف موضون (69)
وفي ظلال جهاده الطويل المبارك وفتوحاته المبينة استعاد المسلمون مكانتهم وقرّت أعينهم بما رأوا من إعزاز لدين الله ونصر لشريعته وتطهير لقدسه من روث الكفّار وحقد الصليبين:
فلا يستحقّ القدس غيرك في الورى فأنت الذي من دونهم فتح القدسا
ومن قبل فتح القدس كنت مقدّسا فلا عدمت أخلاقك الطهر والقدسا
وطهّرته من رجمهم بدمائهم فأذهبت بالرجس الذي ذهب الرجس
وبذلك استعاد القدس ذاتيته الإسلامية وملامحه الإيمانية , وارتفع به الأذان عاليا بعد أن جلجلت فيه نواقيس النصارى:
نزعت لباس الكفر عن قدس أرضها وألبستها الدين الذي كشف اللّبسا
وعادت لبيت الله أحكام دينه فلا بطرقا أبقيت فيه لا قسّا
وقد شاع في الآفاق عنك بشارة بأن أذان القدس قد بطل النّقسا (70)
وهكذا بتلك الأعمال الصادقة والخالصة وبذلك الجهاد الطويل المضني وبتلك الغضبات الربانية والبطولات الرائعة وبذلك الخلق السّامي والسلوك العالي ... حبّب الله تعالى عبده صلاح الدين إلى قلوب عباده المؤمنين ومكّن له في وجدان المسلمين أيّما تمكين وكما يقول الدكتور الهرفي: لقد حظي صلاح الدين الأيوبي بعناية فائقة من الشعراء والأدباء لم يحظ بها أحد غيره من أبطال الحروب الصليبية على الإطلاق وما كان له أن يحصل على هذا لولا فتحه القدس .
صلاح الدين .... في ذاكرة الشعر الإسلامي المعاصر
إذا كان صلاح الدين هذه الشخصية التاريخية الفذّة النادرة قد نالت مكانة تحسد عليها في وجدان العالمين , واعتنى بمدحه ورثائه وتمجيده وتخليده كثير من شعراء عصره فذلك أمر طبيعي , نظرا لما لمسوا من عظيم جهاده وما عاينوا من جليل أعماله وما علموا من كريم خصاله ... أمّا أن يشغل اسمه ذاكرة الشعر المعاصر على عمق المسافة الزمنية الفاصلة فهذا أمر يستدعي البحث.
وفي تقديري, هناك سببان رئيسيان وراء هذا الإهتمام من طرف شعرائنا المعاصرين بشخصية صلاح الدين وإدراج اسمه في كثير من قصائدهم .