جواب:أنا طورت مفهوم سميته"الدولة الوظيفية".. وهو امتداد لمفهوم آخر طورته هو"الجماعة الوظيفية".. وهي جماعة يستوردها المجتمع لتقوم بوظيفة معينة .. ويعرف المجتمع هذه الجماعة في إطار وظيفتها وليس في إطار إنسانيتها والمماليك مثال جيد على ذلك ؛ فنتيجة لتطور التكنولوجيا العسكرية أصبح المشاة المصريون غير قادرين على مواكبتها ، فكان ضروريًا أن تظهر طبقة من المحاربين المحترفين والسلطة القائمة كانت ترفض أن تكون هذه الطبقة من المصريين حتى لا ينقضوا على السلطة ، فتم استيراد المماليك لوظيفة قتالية فقط ونفس الشيء حدث لليهود في الحضارة الغربية ، فكانوا يعرفون في إطار وظيفتهم المالية كمرابين وتجار. والدولة الوظيفية هي الأخرى تعرف في إطار وظيفتها بمعنى: أنها دولة تدخل في علاقات نفعية مع إحدى الدول الكبرى فتقوم على خدمتها والدولة اليهودية دولة وظيفية أسست للقيام بوظيفة وليست لها أية أهمية في حد ذاتها وليست غاية ولا ننسى أن العلمانية هي الأخرى تقصد تحويل العالم إلى وسائل لا غايات .. وما تم الآن لصهينة اليهود هو علمنتهم وتحويلهم من يهود إلى مادة"استعمالية"وإسرائيل تعرف ذلك جيدا ، وتدرك أنها مادة استعمالية وأن بقاءها وأمنها وثراءها منوط بقيامها بوظيفتها ، والذي حدث هو أن وظيفتها القديمة التي هي المواجهة مع القومية العربية قد انتهت . لأن هذه المواجهة كانت في ظل حرب باردة والقومية العربية تآكلت والحرب الباردة انتهت ، فكان لابد من البحث عن وظيفة أخرى أو تضيع الدولة الصهيونية .. فوجدت هذه الدولة وظيفتها الجديدة مع تنامي المدّ الإسلامي ، وأنها ستصبح ليس فقط"قلعة للحضارة الغربية"ضد الهجمة الشرقية والقومية العربية ، وإنما ستصبح أيضا"قلعة للعلمانيين"ضد الخطاب الإسلامي ككل ، والغرب والصهاينة يريدون أن تكون المعادلة ليست عربًا ضد يهود بل أن تكون علمانيين ضد إسلاميين. وأصبح دور الدولة الصهيونية هو القيام بدور التجارة والرخاء الاقتصادي ؛ لأن الاستعمار اكتشف أن المواجهة مع الإسلام صعبة بل مستحيلة ومكلفة ، وكانت الانتفاضة مثالا على ذلك فقرر ـ بدلا من المواجهة ـ أن يطور وظيفة الصهاينة إلى وظيفة تجارية اقتصادية مع محاولة تفكيك المنطقة ، والمقصود منها تذويب الهوية الثقافية وإعلاء مفهوم الشرق أوسطية الذي تتزعمه الدولة الصهيونية ، والذي لا يرضى الغرب إلا أن يكون لها في هذا النظام اليد العليا .
"حضارة الغرب .. وثنية"
سؤال:إذا لم يكن لليهودية وجود في فكر الدولة الصهيونية .. فما هو تأثير المسيحيين في الحضارة الغربية ؟ وماذا فعلت أحداث سبتمبر الأخيرة في الفكر الغربي والحضارة الأمريكية ؟
جواب:الحضارة الغربية الآن حضارة"وثنية"وليست حضارة مسيحية على الإطلاق فهي حضارة تؤمن بالحواس الخمس وفيلسوفها ونبيها الأكبر هو"داروين"وليس المسيح عليه السلام .
والولايات المتحدة كانت منكفئة على نفسها قبل تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر إلا أن الانفجارات أيقظت الشعب الأمريكي على الخلل في السياسية الخارجية والداخلية لبلاده ، والعمليات التي تقوم بها الولايات المتحدة في أفغانستان ما هي إلا عبارة عن صواريخ لإرضاء الشعب الأمريكي والرأي العام المصدوم من فشل إدارته في حماية أمنه .
سؤال:يتحدث الغربيون ـ عموما ـ عن احترام الفكر الغربي للإنسان .. فهل أحسن الفكر الغربي التعامل مع الإنسان فعلا ؟
جواب:النسيان هنا كان في الأمر الجوهري ، وفي أساس الرسالة وهو ما فعله الفكر الغربي الذي تناسى وتجاهل الأمر الجوهري وهو"الله"وهكذا يقف الفكر الغربي بلا ركيزة أساسية ( مرجعيّة ) وهل يمكن للإنسان أن يعيش بلا مرجعية ؟ .. إن الذاكرة الإنسانية والمرجعية تجعل الإنسان إنسانا .. فمن خلالها يتعلم ، ويصبح له تاريخ ، ويعرف الحق والباطل ، ويؤسس ويختار بين الخير والشر ، ولعل هذا كله جزء من الآية الكريمة"نسوا الله فأنساهم أنفسهم"فالله هو الركيزة الأساسية لكل شيء إذا نسي الإنسان الله فإنه ينسى ذاته .
ولقد أساء الفكر الغربي التعامل مع الإنسان .. بدأ ذلك عند"هوبز"الذي قال: إن هناك حقيقة فحسب ، ولا يمكن أن توجد معرفة وأخلاق وإنما هناك"قوة"و"ميكافيللي"نقل هذه النظرة"الشريرة"إلى عالم السياسة أما"سبانوزا"فقال: إن العالم آلي تمامًا وخال من الغائية الإنسانية .. ولكننا نلاحظ أن العالم الغربي حقق انتصاره الرهيب بسبب تناسيه الكامل لأي أسئلة فلسفية غائية ، مثل: لماذا أنا هنا في الكون ؟ ولماذا أجري البحث العلمي ؟
ثم جاء"داروين"وقال: إن العالم ليس بآلة وإنما هو غابة يحدث فيها الصراع بشكل آلي .. أما"ماركس"فقال: إن الحديث عن الإرادة الإنسانية وهَمْ ؛ لأنها ما هي إلا انعكاس للمادة ، فكل أولئك أرادوا أن يتعاملوا مع الإنسان على أنه منظومة متكاملة . لكن الإنسان يتجزأ مع المنظومة المادية في الواقع ويظل داخل الإنسان ما يتجاوز هذه الأنماط المادية التي لا ترى الإنسان إلا طاقة وحركة ، لقد قالوا: إن الإنسان جزء من منظومة ينطبق عليه ما ينطبق على الحيوان والجماد ، فأسقطوا من الإنسان إنسانيته ، لقد قابلت"فرانز هايمر"رئيس الفريق الذي اكتشف معادلات القنبلة الذرية وتطويرها ، قابلته في أمريكا وسألته: ماذا فعلت بعد اكتشافك الخطير ؟ قال: تقيأت .
فحينما كان الرجل يتعامل مع الأرقام كان عالمًا محايدًا وحينما أنهى ذلك تقيأ ."فالحقيقة"عندهم منفصلة عن"القيمة"!!
مصطلح التراث في الحضارة الغربية
ورغم أن مصطلح التراث (LEGACY ) في الحضارة الغربية المعاصرة يطلق أيضًا على المخلفات الحضارية والثقافية والدينية؛ فإن الروح العلمانية (غير الدينية ) المهيمنة على الفكر الغربي الحديث جعلته لا يميز بين الدين وبقية الإرث الحضاري؛ بل هو يتعامل مع التراث على سواء بين ما مصدره الإنسان المخلوق وما مصدره الإله الخالق، فالكل يتعرض لعملية النقد والانتقاء والقبول والرفض، ويخضع الدين لهذا المنهج دون أية قداسة.
ومن هنا يكمن خطر اعتبار الدين تراثًا ضمن الظلال العلمانية الغربية التي أحاطت بمصطلح (( التراث ) )، فالمشكلة إذَنْ ليست في تعريف التراث كاصطلاح علمي حضاري، وإنما في هيمنة الفكر الغربي وقيادته للعلوم وللثقافة، وتحديده لمصطلحاتهما وصبغهما بصبغته غير الدينية.
الاحتراز يقتصر على الكتاب والسنَّة دون غيرهما
وبالطبع فإن الاحتراز يقتصر على الوحي الإلهي (الكتاب والسنة ) ولا يتعداهما إلى الفقه أو الاجتهادات الفكرية؛ التي أثمرها العقل المسلم من خلال تفاعله مع الوحي الإلهي، ومحاولته فهم الكتاب والسنة والاستنباط منهما.
إذ لا ضرر من الانتخاب أو النقد عند التعامل مع المنظومات الفكرية والفقهية، ومادام الدين يدخل في التراث ونحن نعيش الدين وقيمه ومقاييسه؛ وإن علاها غبش حينًا، وأصابها انحراف حينًا آخر، ومادامت التقاليد والأعراف الاجتماعية الموروثة تدخل في التراث رغم أنا نعيشها ربما منقحة، أو مختزلة، أو متطورة لكنها ليست منفكة عن جذورها القديمة؛ مادام الأمر كذلك فلن يبقى ثمة مجال للتساؤل إن كان التراث شيئًا دارسًا نريد أن نحييه، فحياتنا الحضارة ليست منبتَّة الجذور ولا مجهولة الأصول، ولكن الصلة بين حاضرنا وماضينا تبدو ضعيفة أصابها الوهن بسبب الاضمحلال الحضاري، وضعف عملية التواصل الثقافي خلال القرون الأخيرة.