لقد تطورت الحرب الحديثة تحت لواء التقدم العلمي التكنولوجي الهائل الذي أحرزته الدول الكبرى ومن يليها إلى حرب ليست لا تبالي فقط بضرب الأبرياء من المدنيين بل هي تجعلهم هدفها الأول والرئيس، تحت ستار ما أصبح يسمى - من باب التزييف أو النفاق - تدمير البنية التحتية للعدو في المواصلات والمياه والكهرباء والإعلام ووسائل المعيشة، والروح المعنوية للشعب
فهو يضرب المساجد فإذا قيل باندهاش ساذج واستنكار أبله: كيف؟ قالوا: لأنها تختبئ فيها عناصر المقاومة، ويضرب المدارس فإذا قيل: كيف؟ قالوا تختبئ فيها عناصر المقاومة، ويضرب المستشفيات فإذا قيل: كيف؟ قالوا تختبئ فيها عناصر المقاومة، ويضرب سيارات الإسعاف فإذا قيل: كيف؟ قالوا تختبئ فيها عناصر المقاومة،، ويضرب المساكن فإذا قيل: كيف؟ قالوا تختبئ فيها عناصر المقاومة، ويضرب مراكز الإعلام فإذا قيل: كيف؟ قالوا تختبئ فيها عناصر المقاومة، الأمر الذي جعل من وزراء دفاعهم، وقادة جيوشهم طبعة عصرية من كبار السوفسطائيين، و لم يترك عمليا أي معنى لمصطلح الحرمات والمحرمات والمحظورات والممنوعات في أي قانون أو اتفاق
وكما يقول الأستاذ محمود شنب بجريدة الشعب في 23\4\2004: (أصبحت الدولة تقوم بما تقوم به العصابات.. يسطون على البنوك الفلسطينية ويأخذون ما بها من أموال.. يدخلون المستشفيات ويقتلون المرضى.. حتى مستشفيات الأمراض العقلية والنفسية دخلوها وروعوا المرضى والعاملين.. يمنعون الصلاة في المسجد الأقصى لأقل من 45... لم يتركوا شيئًا إلا فعلوه.. استخدموا الأسلحة الحربية ضد أطفال يحملون الحجارة.. لم يكتفوا بالحصار والهدم والتنكيل والقتل، وإنما يخطفون الفتيات ويفعلون بهم الفحشاء أمام أهلهن وفى وسط الطريق.. يقتلون الأب والأم أمام الأبناء)
وقد بدأ هذا التطور منذ الحرب العالمية الأولى واستشرى بعد ذلك وما يزال يستشري، وهي نتيجة حتمية لتطور وسائل القتال الحديثة، ولقد ذهب ربما إلى غير رجعة - أسلوب القتال في العصور الحجرية القديمة والعصور الوسطى"المتخلفة"الذي كان يعتمد على المواجهة بين صفوف القتال في أرض المعركة، فإذا انهزم الجيش انتهت الحرب، أما في التطور الحديث فقد انقلب الترتيب وأصبحت المعركة تبدأ أو تتطور إلى ضرب المدنيين أصلا فإذا تحطمت المدينة انتهت الحرب.
ونحن ما نزال نذكر عدد القتلى في الحرب العالمية الثانية الذي بلغ أربعين مليونا فهل كان هؤلاء من العسكريين،؟ كما يزال كثير منا يذكر المعارك المؤثرة في مجريات الحرب العالمية الثانية بتدمير المدن الرئيسية الكبرى مثل لندن وبرلين وغيرها، وما نزال نذكر كيف أن الضربة الحاسمة في انتصار الغرب الديموقراطي في الحرب العالمية الثانية كانت بتدمير مدينتين كبيرتين في اليابان هما هيروشيما ونجازاكي، واليوم يضرب العدو المسلم مدنيا في كل مكان عله يركع أو (يتبع ملتهم) في الشيشان والبوسنة والهرسك وكوسوفو، وأفغانستان وجينين فلسطين وفلوجة العراق إلخ
إننا نظلم الإسلام إذا وقفنا هنا لنتحدث عن المثل العليا، دون أن نلتفت إلى ما يمارسه أعداؤه في واقع الساحة الدولية بعامة من نكسة حضارية بتدمير المدن، وقتل مئات الآلاف من غير المحاربين في طلقة نووية واحدة، تقتلهم عند الإطلاق، كما تقتلهم بعد الإطلاق بعشرات السنين، وضربهم باليورانيوم: في مخادعهم التي عليها ينامون، وقتلهم بهوائهم الذي يتنفسون، وتسميمهم بمائهم الذي يشربون، ونشر الإشعاع القاتل في بيئتهم حتى خارج حدود إقليم الحرب، وكما يجب أن نلتفت إلى ما يجري من جيش إسرائيل المسلح بأحدث الأسلحة الأمريكية ضد أطفال الانتفاضة الفلسطينيين وشبانهم الذين لا يملكون من الأسلحة غير الاستشهاد، وما يقوم به العدو الأمريكي من حصار تجويعي، واغتيالات للأفراد، وتصفية دماء الجرحى، والحيلولة بينهم وبين العلاج حتى الموت،، وقتل متعمد للأطفال، والنساء والشيوخ في مخادعهم، والمرضى في أسرتهم،، وتجريف المزارع، وتدمير البيوت والطرق، وتخريب مصادر الماء والطاقة والإنتاج..
ولنقرأ ما كتبه الأستاذ خالد محمود في جريدة الأسبوع بتاريخ 16\2\2004 تحت عنوان"فرقة مقاتلة المدنيين!":( ما نشرته 'جينز دفنس ويكلي' في عددها الأخير من أن البنتاجون أفرد في خطته منذ ثلاثة أعوام في الحرب على العراق بابا أساسيا بقوات وتشكيلات واستعدادات لقتال المدنيين في الأزقة والفناءات وغرف النوم.. قالت الدورية العسكرية المتخصصة: إن مؤسسة العسكرية الأمريكية رتبت بعد تجربة الصومال وتحت إشراف مركز 'أدبو' وبالتعاون مع مؤسسة 'داند' مؤتمرا بهذا الخصوص انتهي عمليا ببناء قرية 'شوفارت جوردن' للتدريب على العمليات العسكرية في الأراضي المدنية، ثم قرية 'زوسمان' في فورت نوكس في كنتاكي وفي أماكن أخرى في بريطانيا وعدد من دول الناتو.
ويكشف التقرير عن ثلاث شركات متعددة الجنسيات دخلت حلبة الملعب مع البنتاجون لتطوير تقنيات غير مسبوقة لمحاربة المدنيين تعتمد على آخر صيحة في العلوم الاتصالية والديجيتال هي شركة 'فاير ارمز تريننج سيستمز'، وشركة 'تاليس' الفرنسية، وشركة 'إيه آي اس'، كما يكشف عن تعاون شركة 'بارامونت' للإنتاج السينمائي مع هذه الشركات للوصول إلى أفضل النتائج للقضاء على"العدو المدني".
لم يدر بخلدنا أن العدو قادم من منابع فكرية وأخلاقية غير مسبوقة السفالة، وأنه أقذر مما كنا نتوقع مليون مرة، وأنه ليس قادما لإطاحة شخص أو قلب نظام وإنما لتدمير جيش وتخريب وطن وتغيير معادلات سكان بالتأليب والفتن والحرق والإبادة الجماعية ونزف الثروات والتصحير الحضاري، وهذا كله ما كان يمكن أن يتم إلا بفكرة لم ترد على ذهن الشيطان:
أولها قصف وردم العراق على من فيها دون تمييز وتسريح جيشها ودولتها وفكرتها. !! )
هذه الحقيقة بكل بشاعتها وسطوتها وديمومتها يجب أن توضع على مائدة البحث - بجوار الحقيقة الأولى التي تصور بحق أن حربا عالمية أعلنت على المسلمين في كل مكان - قبل الكلام عن الحكم الشرعي بتحريم أو عدم تحريم ضرب المدنيين الأبرياء من جانب واحد.
والله أعلم
تجديد المعرفة والحضارة بين جمود الجاهلين وانتحال المبطلين
د. أبو جميل الحسن العلمي
إن تجديد مآثر الأمم ومفاخرها الحضارية والعلمية سبيل نهضتها وبعث لحيوية وجودها، وتجديد الدماء في شرايين حياتها، وهو في فكرنا وتراثنا الإسلامي أوكد وأهم، لما حصل للمسلمين في القرون المتأخرة من بعد عن منابع الاجتهاد، وسلوك سبيل الرقي بهذه الأمة من آثار المحن والعثرات التي نالت من مكانها بين الأمم.
ونحن اليوم نعيش لزمان غير زمان أسلافنا، وحالنا كما لا يخفى غاية في الضعف والانحلال، وقد انحطت كثيرا عما كانوا عليه، فأوتينا من الضعف والعجز والهوان مقدار ما أوتي أسلافنا من القوة والجد والنشاط، وإن من طبيعة هذا الدين وفكره وحضارته المرونة والتجدد، فلا تحتمل الجمود والنوم على مآثر السالفين، كما قال الشاعر:
كن ابن من شئت واكتسب أدبا *** يغنيك محموده في النسب
إن الفتى من يقول ها أنا ذا *** ليس الفتى من يقول كان أبي