ولذلك لا يستقيم أن يعيش الناس على التمجد والمفاخرة بمآثر الأسلاف، مع هذه الحال من التخلف عن بلوغ مداركهم، والعجز عن مواجهة تحديات العصر فإنه بقدر ما يكون وعينا بمتطلبات عصرنا وأولويات زماننا حاضرًا، بقدر ما يكون انتفاعنا بمآثر أسلافنا حاصلًا، ومنزلا في محاله المطلوبة النافعة في حل المشكلات الحضارية للأمة، وإلا كان التجديد ضربًا من الدعاوى والتغني بالمآثر والاجترار لجهود المتقدمين بدون وعي ولا وجهة.
ويتساءل كثير من التراثيين هل الفكر الإسلامي فعلا يحتاج إلى تجديد؟ ألا يكفي أن نعود إلى قراءة أصول الإسلام وتراث السلف لحل مشكلات الأمة، دونما حاجة إلى تجديد النظر في ثمرات ذلك التراث والفكر البشري، فيكون الرجوع إلى الأصول والمنابع هو التجديد الحقيقي؟.
وهي كلمة حق تنزل في غير منازلها، فإن منابع المعرفة الإسلامية الصافية، ومكامن الرقي العلمي والفكري في تراثنا قد عراها عبر عصور التاريخ الإسلامي القديم والحديث ما حجبها عن الناظرين، وأضعف حضورها في ميادين الفعل الحضاري في حل مشكلات العصر، كما نبه إلى ذلك الإمام الآلوسي - رحمه الله - حيث قال:"إن رياض هذه الأعصار عراها إعصار، وحياض تيك الأمصار اعتراها اعتصار، حتى صار العلم بالعيوق، والعلماء أعز من بيض الأنوق، والفضل معلق بأجنحة النسور، وميت حي الأدب لا يرجى له نشور:"
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا *** أنيس ولم يسمر بمكة سامر" [1] ."
وكان ذلك لأسباب عدة، أحوجت الناظرين إلى بعث المعرفة الإسلامية من جديد، وتخليتها مما شابها وعلق بها عبر العصور، ومن بين هذه الأسباب:
1 -مناداة القاصرين بإغلاق باب الاجتهاد
وقد حصل ذلك إثر ما تسرب من ضعف حضاري للأمة، وشعور بالعجز والقصور عن بلوغ مدارك المتقدمين، فسارع بعض الورعين إلى المنادة بإغلاق باب الاجتهاد مخافة أن يتسوره من ليس أهلا له. فسلموا بذلك، ورضوا بتقليد الماضين، وناموا عن النظر والإبداع، ولم يبق من رسوم الاجتهاد إلا نصرة مذاهب وآراء المتقدمين.
وظلت الحال على ذلك إلى حين عصر النهضة حيث تجددت الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد مع جمال الدين القاسمي، والشيخ محمد رشيد رضا، وجماعة أنصار السنة كالشيخ محمد حامد الفقى، و أحمد شاكر، وقد غر المسلمين زمنا هذا التسليم بتقاصر الهمم فقعدوا عن الإبداع الاجتهاد بقولهم:
لم يدع من مضى للذين غبر *** فضل علم سوى تمسكه بالأثر.
مما أغرى المفسدين الطائشين بإقصاء الفكر الإسلامي وتراثه عن ميدان التأثير الفكري والسياسي والحضاري، وعزل القرائح الإسلامية في الأزهر وغيره من المعاقل العلمية عن التجديد وبذل الوسع في إيجاد الحلول للمشكلات الحضارية في مطلع عصر النهضة.
وأمام تولي فقهاء الأزهر عن مسؤولية تجديد وتطوير الفقه الإسلامي وإصلاح نظم التعليم بالأزهر، انتهزها محمد علي باشا فرصة لادعاء تخلف الشريعة الإسلامية عن مواكبة العصر الحديث، والقدرة على تسيير الحياة العامة، فعمل على استبدال"مجلة الأحكام العدلية"التي كانت الدستور الإسلامي للدولة العثمانية على مذهب الحنفية بقانون نابليون. وقام غربان العلمانيين ينعقون بما لا يسمعون ويزعمون قصور الإسلام في مجالات الحياة السياسية والاقتصادية، ودعوا إلى ضرورة فصل الدين عن الدولة في هذه الشؤون، وقصر الدين على شعائر التعبد الشخصي.
2 -جمود التراثيين على القديم:
فقد ابتلي الفكر الإسلامي بخلق من الجامدين ممن يعيشون على تمجيد القديم ويتغنون بذلك بعيدًا عن مقاصد الأمة ومتطلبات العصر، وذلك لعجز القوم عن الإستيعاب والإبداع، وغالبا ما تجد معرفة هذه الأمة من الناس بالتراث ضعيفة، وإنما تعيش على المدح والتغنى دون خبرة ومعرفة بالأعماق. فأكثر هؤلاء كانوا من أصحاب العمائم الذين شغلوا الأمة بقشور المتون والحواشي، وزهدوها في المعين الصافي من فقه الكتاب والسنة، المبثوث في الأمهات والأصول، فجمدوا على شروح مختصر خليل وحدود ابن عرفة، وأماتوا بلاغة العرب بكتاب المقاصد للسعد التفتازاني.
وظل هؤلاء المشايخ الجامدون هم المتحكمون في المعاقل العلمية في البلاد الإسلامية، حيث كانوا واجهة العلم في الأمة في الأزهر والقرويين، كما وصف تلك الحال الحجوي الثعالبي حيث قال:"وليست الفتوى بطول الأردان، وإرخاء الذوائب كذنب الأتان والهذر باللسان إذا خلا الميدان:"
فلو لبس الحمار ثوب خز لقال الناس يالك من حمار
فهذا الضرب الذين يستفتون بالشكل لا بالفضل، ويأكلون بالعمائم والأكمام لا بالعلوم والأحكام، تضج الحقوق إلى الله منهم ضجيجًا، وتعج الأحكام منهم عجيجا" [2] ."
وبسبب ذلك وجد المغرضون والأعداء ثغرات مفتحوحة على الإسلام والفكر الإسلامي لعزله عن ميدان الفعل والتأثير. وكانوا ممن آثاروا حفيظة دعاة التنوير والحداثة لمهاجمة الأزهر كمحمد عبده وغيره حيث قال:
ولست أبالي أن يقال محمد أبل أم انتظمت عليه المآتم
ولكنه دين أردت صلاحه أحاذر أن تقضي عليه العمائم
وظل هؤلاء في مواقع التغني بالأمجاد، والقنوع بالتقليد، والمفاخرة بالأموات دون بذل أي جهد يذكر في تقديم شيء نافع للمسلمين في هذا العصر، ومن طالع كتب الفتاوى لعلماء المالكية بالأزهر ممن رضوا بالتقليد"كفتح العلي المالك في الفتوى على مذهب مالك"للشيخ عليش رأى نفسًا قديمًا بعيدًا عما يمور في حياة المسلمين اليوم.
3 -الغارة على الفكر الأصيل واللغة والأدب:
قامت في مصر والشام حركة ردة ضد القديم الأصيل من الفكر والأدب واللغة في مطلع عصر النهضة، كانت من آثار سقوط الخلافة العثمانية، وقصد الكماليين المتفرنجين إلى طمس معالم الإسلام، وهدم معاقله، بالدعوة إلى فصل التعليم الديني عن التعليم المدني، في الأزهر بمصر ومدارس التعليم الديني في تركيا، وإلزام الناس برسوم حضارة الغرب.
وكانت تلك دعوة مشؤومة دعا إليها"كرومر"وتبعه خلق من أذناب المستغربين كمصطفى كمال، وطه حسين، وسلامة موسى، وسعد زغلول، الذي كان رئيس الحكومة، ومصطفى فهمي باشا، وغيرهم.
فقد قرر كرومر"أن الإسلام عدو للحضارة الأروبية، وأن المسلم غير المتخلق بأخلاق الأوربيين لا يقوى على حكم مصر في هذه الأيام، لذلك سيكون المستقبل الوزاري للمصريين المتربين تربية أوربية" [3] .
وقام طه حسين وغيره من دعاة الجديد يكاثرون المحافظين بما عرفوا من آداب الغرب وفنونه، ويسخرون من جهلهم بها، ويرمونهم بالجمود وعرقلة حركة التاريخ والفكر المعاصر. في حين يراهم المحافظون نسخًا ممسوخة تنفد خطة أسيادها وهم بين خبيث مأجور، أو مغفل يحكي ما يملى عليه.
وإن كان من نظرة إنصاف إلى ظاهرة ارتداد المستغربين، وانبهارهم بعلو المدنية الغربية، فإنما يرجع ذلك إلى ما قرره ابن خلدون من"أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبدا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه إما لنظره بالكمال بما وفر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب فإذا غالطت بذلك واتصل لها اعتقادا فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به.. ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله" [4] .