لقد عمد الاستشراق إلى تزييف العلاقة بين الحنيفية الإبراهيمية وبين الغسلام، وإثارة الشكوك حول إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، على النحو الذي قال به الدكتور طه حسين في كتابه الشعر الجاهلي حين أنكر وجود إبراهيم وإسماعيل، بالرغم من ثبوت وجودهما في التوراة والقرآن وإن كانت الأحداث لم تلبث إن كشفت زيف ما دعا إليه طه حسين حريًا وراء الصهيونية في دعواها بعد ظهور الحفريات التي كشفت عن كثير من آثار إبراهيم وإسماعيل وأبناء إسماعيل في شمال شبه الجزيرة العربية وحول الكعبة.
ومن الأسباب التي تدعو إلى إنكار الحنيفية الإبراهيمية، أنها يدخلها الكردي والرشكسي والبربر والمسيحيون، وهم يهدفون إلى إعلاء العنصريات للقضاء على هذه الوحدة التي هي"عربية اللسان"ولقد أكد هذا المعنى رسول الله صلى الله عليه في قوله:
"ليست العربية بأجدهم من أب ولا أم وإنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي إلا أن الالعربية اللسان إلا أن العربية اللسان"رواه الحافظ ابن عساكر بسنده من مالك.
دعوة البغضاء:
إن الدعوة المسمومة إلى إعادة بعث الإقليميات والعنصريات القديمة، إنما تهدف إلى إذكاء البغضاء والأحقاد بإثارة الفرقة، بينما تقوم استمرارية الحنيفية السمحاء على وحدة الفكر والعقيدة، وهي الوحدة الحقيقية وليست دعوى اللغة والتاريخ والأرض التي يحمل أواءها العلمانيون الشعوبيون.
... أنور الجندي
البعد الحضاري لهجرة الكفاءات »
تقديم بقلم: عمر عبيد حسنه »
الحمد لله الذي شرع الهجرة وجعلها مجاهدة وجهادًا لتغيير الواقع، وتحقيق الهدف، وتجاوز حالة الضعف والركود، والاستنقاع الحضاري، والركون إلى الذين ظلموا، فهي وسيلة لمراغمة الأعداء والمتربصين بالخير وأهله، المتحكمين بالعباد والبلاد، وتفويت أغراضهم؛ كما جعلها سبيلًا للخلاص من حالة الضعف والعطالة، واسترداد الفاعلية، لمعاودة الإقلاع من جديد، فقال تعالى: (( الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الاْرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ) ) (النساء:97) .
والصلاة والسلام على الرسول المهاجر، الذي كانت هجرته وما تحقق بها ولها من النتائج الإيجابية ومراغمة الأعداء أنموذجًا يحتذى، الذي أذن لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة لكسر الحصار وتجاوز الضعف والتحكم من الكافرين.. واختيار الحبشة كمهجر أول جاء لعدة اعتبارات لا مجال لاستقصائها، لكن كان في مقدمتها أن فيها ملكًا لا يظلم الناس عنده، قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه عندما طلب إليهم الهجرة إليها: «إن بأرض الحبشة ملكًا لا يُظلم أحد عنده، فألحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه» ، فكان من نتائجها -إلى جانب حماية بعض أجنة الإسلام الأولى- أن أسلم النجاشي، ملك الحبشة، وفاضت عيناه من الدمع عندما سمع شيئًا من القرآن، ونزل في إسلامه قرآن خالد مجرد عن حدود الزمان والمكان والإنسان، ما يزال يتلى ليؤكد في كل الأحوال المعاني الكبيرة والأهداف الممكنة، التي يمكن أن تتحقق من الهجرة في كل زمان ومكان، إضافة إلى ما فيها من السعة في الرزق والأمن ومراغمة العدو وتوفير إمكانية الانتصار عليه.
ولعل هذا المعنى، أو هذه المعاني جميعًا، تجلت وتجسدت بكل أبعادها في هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إلى المدينة المنورة، بعد ثلاثة عشر عامًا من الصبر والتحمل والمعاناة والمقاطعة، بعد أن استعصت أرض مكة في تلك الظروف والأحوال، لأمر يريده الله، عن الاستجابة وقبول الخير العام، على الرغم من أنها تاريخيًا مكان البيت الأول للتوحيد، الذي وضع للناس، قال تعالى: (( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لّلْعَالَمِينَ(96) فِيهِ ءايَاتٌ بَيّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْراهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِنًا )) (آل عمران:96-97) ، وقال: (( وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْراهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئًا وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) ) (الحج:26) ، وموطن ومهجر أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام: (( رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) ) (إبراهيم:37) .
ومع ذلك كانت الهجرة إلى المدينة، معقل يهود ومحل سيطرتهم وتحكمهم، فرجًا ومخرجًا، فمن ذا الذي كان يظن أن المهجر المدينة، وليس الموطن مكة، يمكن أن يكون مكان الانطلاق للدولة والأمة والمجتمع الإسلامي وحمل الخير إلى مكة نفسها والعالم، إضافة إلى ما حصل بسبب الهجرة من سعة الرزق ونعمة الأمن وإرغام أنوف كفار مكة الذين آذوا المسلمين أذى شديدًا.
لذلك اعتبرت الهجرة في بعض أحوالها وأزمانها جهادًا، بل من أعلى أنواع الجهاد، واعتبر التقاعس عنها سقوطًا في حالة التربص والانتظار والخذلان وفقدان الإرادة ومدعاة لسخط الله ومجلبة للعذاب، قال تعالى: (( قُلْ إِن كَانَ ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ) ) (التوبة:24) .
والناظر في الهجرة بكل أبعادها الشرعية وتطبيقاتها العملية في عصر النبوة وخير القرون، يبصر أنها ليست ظاهرة سلبية هروبية انسحابية انهزامية وتولٍ عن الزحف وخروج من المعركة، وإنما هي حركة إيجابية قاصدة، وخطة محكمة، وعمل محكوم بنيَّة واضحة الأهداف، وهي أشبه ما تكون بتحرف لقتال، أو تحيز إلى فئة، للخروج من حالة الذل والعطالة، لاكتساب الفاعلية وتحقيق كسب أكبر للقضية الإسلامية.
من هنا نقول: إنَّ الأعمال تَشْرُفُ بشرف مقاصدها، وإخلاص أهلها، وقدرتهم على تحقيق تلك المقاصد بصواب التخطيط لها، وإبصار تداعياتها، وتقدير عواقبها؛ لذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «...فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (أخرجه البخاري) ، وهو الحديث الذي تبدأ فيه معظم كتب العلم والثقافة عندنا.. فالنيَّة، إلى جانب ما تحمله من ركيزة الإخلاص والتنقية والاستعداد والتطهر النفسي من كل الدوافع لغير الله، هي إبصار كامل للحركة، وأهدافها، وتداعياتها، ومتطلباتها، وأهمية تصويب وسائلها لتحقق الهدف وتثبيت الأجر.
لذلك؛ فالمتأمل في أبعاد نيَّة الرسول صلى الله عليه وسلم الهجرة إلى المدينة المنورة، وما سبقها من إعداد واستعداد، من بيعة العقبة الأولى والثانية، وما أعد لها من الوسائل والخطط والاحتياطات في كل جزئية من حركتها يكاد يتوهم وكأن الذي يتخذ كل هذا التحوط ويستوفي كل هذه الأسباب لا علاقة له بالسماء؛ والمتأمل فيما كان من التوكل على الله والاطمئنان لنصره والالتجاء إليه في أحلك الظروف يكاد يتوهم وكأن صاحبها لا صلة له بالأرض وتعاطى الأسباب؛ وهذا هو الفهم الإسلامي السليم.