فهرس الكتاب

الصفحة 1810 من 2255

فالهجرة الإسلامية أنموذج للإيجابية والإحياء واسترداد الفاعلية والمجاهدة وحسن التعامل مع سنة التدافع البشري، وقبل ذلك وبعده إلغاء للثنائية التي كانت سببًا في تمزيق الإنسان وتشطير شخصيته بين تعاطي الأسباب والتوكل على الله؛ ذلك أن تعاطي الأسباب في الرؤية الإسلامية من لوازم التوكل، والتوكل من لوازم تفعيل الأسباب وتجاوز حالات القلق واليأس ومحاولات الإحباط والتضييق لأرض الله الواسعة، والانحباس ضمن دوائر يزيدية محكمة، نرسمها بأيدينا وندعي بأن الشيطان حبسنا فيها، وما هي في الحقيقة إلا من صنع الإنسان، وتسويغ وتبرير لحالة الذل والاستسلام والهوان.

وللهجرة والهَجْر بعد تربوي عظيم لو أمكن إدراكه واستخدامه ضمن سياقه، والتزم به ضمن المساحة المشروعة والمؤثرة، وهو توظيف الهجرة كعامل فاعل من عوامل الضبط الاجتماعي، وهجر أصحاب الفجور والمعاصي والمقصرين، لحملهم على العود إلى طريق الاستقامة والصلاح والفاعلية على أن يكون هذا الهجر مدروسًا وبالنسب المحددة.

ذلك أن هجر أصحاب المعاصي من أقوى الأسباب العملية للضبط الاجتماعي.

ولعل التأمل في قصة الثلاثة الذين تخلفوا، من الصحابة رضي الله عنهم، عن الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، والتي أنزل الله سبحانه وتعالى فيها قرآنًا يتلى على الزمن، فقال تعالى: (( وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الارْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) ) (التوبة: 118) ، وما كان من تعامل المجتمع الإسلامي معهم، وهجرهم حتى من قِبَل زوجاتهم وأقاربهم، والتعرف إلى أسباب نزول الآية بدقة - فأسباب النزول تشكل وسائل الإيضاح المعينة على كيفية تنزيل النص على الواقع، وكل واقع مماثل، في كل زمان ومكان، كما تلقي الضوء على كيفية توظيف الهجرة بالأقدار المحددة والمشروعة- يمكن أن يحقق الكثير من الضبط الاجتماعي والعطاء التربوي لبناء السلوك البشري القويم بالنسبة لمن وقع في الخطأ والتقصير، كما يحقق العبرة والعظة والتقوى للمجتمع المسلم بشكل عام، أفرادًا وجماعات.

وبعد:

فهذا كتاب الأمة التاسع والثمانون: « البعد الحضاري لهجرة الكفاءات» لمجموعة من الباحثين، في سلسلة «كتاب الأمة» ، الذي يصدر عن مركز البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر، مساهمة في إعادة تشكيل العقل المسلم في ضوء مرجعية معرفة الوحي، في الكتاب والسنة وتطبيقات مرحلة السيرة النبوية، التي تجلت فيها هذه المعرفة ونضحت عطاءها في شعب الحياة جميعًا، وتجسدت في حياة الناس، في الفكر والدعوة والحركة، كمرحلة اقتداء معصومة برعاية النبوة وتسديد وتأييد الوحي السماوي، إضافة إلى المقاربة مع ما تمتع به خير القرون من الخصائص والصفات المهمة في ترشيد المسلم المعاصر.

إن التحقق بامتلاك الأدوات المناسبة لاكتشاف مواطن الخلل التي أدت بالأمة المسلمة، والفرد المسلم قبل ذلك، إلى هذا التراجع والتقهقر والتخلف على غاية من الأهمية، وهو شرط لا مندوحة عنه في محاولتنا الخروج من غرف وحالات الانتظار، وماتورثه من تواكل وذل وعجز وخذلان، إلى أرض الله الواسعة، وإعادة التقويم للإمكانات والاستطاعات، والتفكير بكيفيات توظيفها، والخروج بها إلى الموقع المجدي، وإحياء وإشاعة ثقافة السنن والقوانين التي تحكم حركة الحياة والأحياء، واكتشافها، وحسن التعامل معها، ومدافعة قدر بقدر.

إن عدم توفر الأدوات، بسبب غياب التخصصات العلمية بشعب المعرفة جميعًا، أدى إلى الكثير من سوء التقدير للأمور وكيفية التعامل معها، ودفع إلى الكثير من الهياج والغوغائية ودفقات الحماس، أو ومضات الحماس، والتحرك الأعشى تحت رايات عُمِّيَّة، التبس أمرها وقرئت بأبجديات مغلوطة، فكانت سببًا في هدر الإمكانات وبذل التضحيات الكبيرة في المعارك الخطأ، التي ما نزال نُستدعى إليها لتصفية الحسابات بدمائنا، دون أن يكون لنا أي نصيب - إلا أن نُحاسب على نوايانا- هذا إضافة إلى ما يكون بعدها من التجريم والمطاردة والملاحقة وانكشاف المواقع؛ وقد يستوي في ذلك المهاجر من الوطن والمهاجر في الوطن.

وفي تقديرنا، أننا ما نزال نمارس الكثير من الهجرة الخطأ (بالمفهوم العام للهجرة) في حياتنا وحركتنا، وتوظيف إمكاناتنا، وتوجيه طاقتنا، سواء كان ذلك في الوطن، بالمفهوم الجغرافي، أو في الهجرة إلى خارج الوطن (والدنيا كلها وطن للمسلم) ، ومع ذلك نتطلع إلى نتائج الهجرة وثوابها.

إن التعرف على السنن التي تحكم الحياة والأحياء - بحيث تأتي الهجرة حركةً منسلكة ضمن منظومتها- لا يمكن أن تتحقق ما لم تتم النفرة أو الهجرة لاستكمال شعب المعرفة جميعًا وتوفير الاختصاصات العلمية والتجارب العملية التي تتطلبها الحياة؛ لأن هذه الاختصاصات هي بمثابة الحواس المتنوعة المطلوبة لتشكيل العقل المسلم المعاصر.

فكما أن الذوق واللمس والشم والسمع والبصر كلها حواس ونوافذ للعقل يطل منها على العالم الخارجي، ومصادر للمعرفة تمكِّن العقل من بناء القرار والتزام السلوك في الحركة وإبصار الأهداف والهجرة إليها، فكذلك الحال بالنسبة إلى الاختصاصات في شعب المعرفة المختلفة، وأهميتها بالنسبة للتعامل مع الحياة، والارتحال المبصر إلى أنشطتها، واستكمال وظائف المجتمع ومتطلباته، وإحياء فروض الكفاية، بعيدًا عن الارتجال والارتحال الغلط، أو الهجرات العُمِّيَّة التي تمارس في كثير من جوانب الحياة الإسلامية اليوم.

ولعل الأمر المفزع والمنذر بسوء النتائج والمزيد من التقهقر والتخلف، أن الكثير ممن أفنوا أعمارهم في تحصيل بعض تلك الاختصاصات العلمية والمعرفية وتأهلوا وهاجروا إليها ليكونوا في خدمة أمتهم ومجتمعاتهم الإسلامية في استيفاء وظائف المجتمع، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، والحيلولة دون هجرة (الآخر) إلينا لملء الفراغات، وما يحمله ذلك (الآخر) من التأثير الثقافي والفتن العقدية والسلوك المنحرف، إذا بهم يهجرون اختصاصاتهم، ويعجزون عن وضعها في خدمة عقيدتهم وأمتهم، وحسن توظيفها منابر فاعلة مؤثرة في المجتمع، يهجرونها إلى منابر الوعظ والإرشاد وصناعة المشيخة، ليكون الناس في خدمتهم، ويقدمون على أعمال لا يمتلكون أبسط أدواتها ولا مقوماتها.

وقد يدلل هؤلاء بذلك على أن المجتمع المسلم هو مجتمع فوضى واضطراب وعبث، وأن الإسلام محصور بمساحات جغرافية وثقافية محدودة، ولا مانع عند الكثير منهم أن يدعو من على أعلى المنابر أن الإسلام دين ودنيا، إيمان وعلم، أخلاق وتربية، شريعة وعقيدة، مسجد ومعمل، جامع وجامعة... وكأن هذا الكلام أصبح مادة للخطب والاستهلاك الجماهيري وليس للتمثل والالتزام... وهكذا يشيع فينا القول السائر: «اقرأ تفرح، جرب تحزن» ... ويستمر الخلل في الهجرات في مراحل التخلف، وفهم التخلف للنصوص، وكأن حديث الهجرة إنما جاء لغير المسلمين (!) فحديث الهجرة وغيره من الأحاديث والآيات لمن يفيد منها ويحسن التعامل معها، وليس تميمة تعلق على المنابر، وبعيدًا عن واقع الأمة ومتطلباتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت