فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 2255

وما بنا- في هذا البحث المجمل- أن نستعرض بالتفصيل كل الملابسات والظروف، التى أحاطت بهذا الفصام النكد- في أوروبا- بين العلم والدين ( ) ، ولا أن نصور بالتفصيل مدى اللأواء والشقوة التى عانتها البشرية كلها، وهى تشرد من الله، وتتخلى على كل ظل لمنهجه للحياة0 وتعادى هذا المنهج، وتبتدع لنفسها- بجهلها المطبق- مناهج من عند أنفسها طوال هذه القرون0

ولكننا سنحاول فقط اختيار بعض النماذج لتخبط البشرية في التيه الطويل0

إن الثمرة الطبيعية البديهية لجهلنا بحقيقة الإنسان- أو حتى لعدم إدراكنا كل جوانب هذه الحقيقة، بفرض أننا وصلنا أو قد نصل إلى بعض جوانبها- هى أننا عاجزون عن وضع نظام شامل مضبوط صالح مصلح لحياته0 وأن أى نظام نضعه له من عند أنفسنا- بعيدًا عن منهج الله- لابد أن يعرض الحياة الإنسانية، ويعرض الإنسان نفسه، للعطب والدمار، في صورة من صور العطب والدمار00

هذه بديهية00 ولكننا نؤثر أن نضعها في صورة عملية حسية واقعية00 لنفرض أننا كنا نجهل قوانين المادة، جهلنا بقوانين الحياة- والحياة الإنسانية بصفة خاصة- ثم أردنا أن نتعامل- بجهلنا هذا الكلى أو الجزئى- مع المادة؟ فما الذى كان يقع؟ النتيجة معروفة00 يقع أن تتلف المادة التى نتعامل معها- كليًا أو جزئيًا- إن لم تحطمنا هذه المادة وتدمرنا00 ومثل هذا قد حدث تمامًا في الحياة البشرية00

ولكن التلف والدمار حين يقع في عالم المادة لا ينشئ آثارًا يصعب تداركها، ولا يحطم أشياء ثمينة غالية مثل (( العنصر الإنسانى ) (( الحياة الإنسانية ) )0 ولا يتخلف منه ما تخلف عن محاولاتنا علاج شئون الإنسانية في معزل عن خالقها العليم بحقيقتها، الخبير بالنواميس التى تحكم حياتها، واتصالاتها بهذا الكون الذى تعيش فيه0 ولا مثل ذلك التخبط والشقاء والحيرة والقلق، والتلف والفساد00 ثم التهديد بالدمار الأخير في نهاية الخط المشئوم00

إن هذه الظواهر النكدة تتجلى الآن في كل جوانب الحياة البشرية0 وتبدو معها التضحيات الهائلة، والمذابح الرهيبة، والتقلبات العاتية، والشقوة التى تسحق أثمن عناصر الكون00 (( الإنسان ) )00

وسنقف وقفات مجملة أمام نماذج بعينها من تجارب البشرية الذاتية- في معزل عن هدى الله ومنهجه للحياة- في تاريخ البشرية من القديم إلى الحديث، تشير إلى سائر النماذج0 منذ كان استقصاؤها متعذرًا0 فضلًا على أن طبيعة هذا البحث المجمل لا تحتمله0

هذه النماذج تتناول المسائل الرئيسية الثلاثة في حياة الإنسان:

1-مسألة النظرة إلى الإنسان وحقيقة فطرته واستعدادته0

2-مسألة النظرة إلى المرأة وعلاقة الجنسين0

3-مسألة النظم الاقتصادية والاجتماعية0

(( الإنسان ) )كائن فذ في هذا الكون0 فذ في طبيعته وتركيبه0 وفذ في وظيفته وغاية وجوده0 وفذ كذلك في مآله ومصيره00

إنه مخلوق غير مكرر في جميع الخلائق التى عرفناها، والتى يحدثنا الله عنها كذلك ولا نراها0 ومخلوق بقدر فلم يوجد هكذا مصادفة ولا جزافًا0 ومخلوق لغاية فلم يخلق عبثًا ولا سدى00 وهذا واضح فيما نقلناه من الآيات القرآنية في الفصل السابق0 وفى نظرة الإسلام إلى الإنسان بجملتها00

وتميز الإنسان بخصائص لا توجد في عالم الأحياء هو الذى جعل (( جوليان هكسلى ) )فى (( الداروينيه الحديثة ) )يتراجع عن الكثير من (( الداروينية القديمة ) )، التى قررها (( داروين ) )0 وهو لا يتراجع عنها إلا مضطرًا أمام ضغط الحقائق الواقعية التى تحتم هذا التراجع0 إذ يعترف بأن الإنسان (( حيوان خاص ) )وأنه له (( خصائص ) )لم تلاحظ في أى حيوان آخر0 وأن لهذه الخصائص آثارًا متفردة كذلك0

ولندعه هو يتكلم في فصل من كتابه: (( الإنسان في العالم الحديث ) )بعنوان (( تفرد الإنسان ) )0

(( لقد تأرجح رأى الإنسان كالخطار(البندول) فيما يتعلق بمركزه بالنسبة لبقية الحيوانات، بين إعجابه الشديد أو القليل بنفسه0 تفصل بينه وبين الحيوانات هوة سحيقة جدًا وحينًا آخر هوة صغيرة جدًا 0

(( وبظهور نظرية (( داروين ) )بدأ الخطار (البندول) يتأرجح عكسيًا، واعتبر الإنسان حيوانًا مرة أخرى.. ووصل الخطار شيئًا فشيًا إلى أقصى مدى تأرجحه، وظهر ما بدأ أنه النتائج المنطقية لفروض (( داروين ) ). فالإنسان (( حيوان ) )كغيره من الحيوانات. ولذلك فإن آراءه في معنى ا لحياة الإنسانية، والمثل العليا، لا تستحق تقديرًا أكثر من آراء الدودة الشريطية أو بكتريا الباشلس! والبقاء هو المقياس الوحيد للنجاح التطورى. ولذلك فكل الكائنات الحية متساوية القيمة. وليست فكرة التقدم إلا فكرة إنسانية. ومن المسلم به أن الإنسان في الوقت الحاضر سيد المخلوقات ولكن قد تحل محله القطعة أو الفأر! 0

(( ولم تصغر الهوة هنا بين الإنسان والحيوان، نتيجة المبالغة في إعطاء الحيوان صفات الإنسان، وإنما نتيجة التقليل من الصفات الإنسانية في الإنسان,.. ومع ذلك فقد ظهر منذ عهد قريب اتجاه جديد، سببه في الغالب زيادة المعرفة واتساع نطاق التحليل العلمى0

(( إن الخطار يتأرجح ثانية: وتتسع الهوة بين الإنسان والحيوان مرة أخرى.. وبعد نظرية (( داروين ) )لم يعد الإنسان يستطيع تجنب اعتبار نفسه حيوانًا ( ) ولكنه بدأ يرى نفسه حيوانًا غريبًا جدًا وفى حالات كثيرة لا مثيل لها. وتحليل تفرد الإنسان من الناحية البيولوجية لم يبلغ تمامه بعد وما هذا المقال إلا محاولة لعرض مركزه الحالى00

(( وأول خصائص الإنسان الفذة، وأعظمها وضوحًا، قدرته على التفكير التصورى( ) .. ولقد كان لهذه الخاصية الأساسية في الإنسان نتائج كثيرة. وكان أهمها نمو التقاليد المتزايدة ( ) .. ومن أهم النتائج تزايد التقاليد - أو إذا شئت من أهم مظاهر الحقيقة - ما يقوم به الإنسان من تحسين فيما لديه من عدد وآلات.. وإن العدد والتقاليد لهى الخواص التى هيأت للإنسان مركز السيادة بين سائر الكائنات الحية.. وهذه السيادة (( البيولوجية ) )- في القوت الحاضر - من خاصية أخرى من خواص الإنسان الفذة0

(( .. وهكذا يضع علم الحياة (( الإنسان ) )فى مركز مماثل لما أنعم به عليه كسيد المخلوقات.. كما تقول الأديان ( ) 0

(( ولقد أدى الكلام والتقاليد والعدد إلى كثير من خواص الإنسان الأخرى التى لا مثيل لها بين المخلوقات الأخرى، ومعظمها واضح معروف0

(( والإنسان لا مثيل له أيضًا كنوع مسيطر. إذ انقسمت كل الأنواع الأخرى المسيطرة على مئات وآلاف كثيرة من الأنواع المنفصلة، وتجمعت في أجناس وفصائل عديدة، ومجموعات أكبر. أما الإنسان فقد حافظ على سيادته من غير انقسام. ولقد تم تنوع سلالات في حدود نوع واحد0

(( وأخيرًا فإن الإنسان لا مثيل له بين الحيوانات الراقية في طريقة تطوره 0

(( وللإنسان خاصية أخرى بيولوجية، وهى تفرد تاريخ تطوره00 ونحن الآن في مركز يسمح لنا بتعريف تفرد الإنسان في تطوره0 وأما خاصية الإنسان الجوهرية ككائن حى مسيطر فهى (( التفكير المعنوى ) )0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت