(( ولقد كان بحثنا حتى الآن بطريقة عامة في خصائص الإنسان من ناحية التطور والمقارنة0 والآن نعود إليها، ونبحث فيها وفى نتائجها بشئ من الإسهاب00 فأولًا يجب أن يغرب عن بالنا، أن الفرق بين الإنسان والحيوان في العقل أعظم بكثير مما نظن عادة00 وكلنا على علم بقوة الغريزة في الحشرات00 ولكنها تبدو عاجزة عن معرفة طرق جديدة0 وليست الثدييات بأفضل من ذلك00 بينما للتفكير عند الإنسان أهمية بيولوجية كبرى حتى عندما تسود تفكيره العادة والمحاولة والخطأ0 ولابد أن يكون سلوك الحيوانات عرفيًا- أى أنه ثابت في حدود ضيقة- أما الإنسان فقد أصبح في سلوكه حرًا نسبيًا00 حرًا في الأخذ والعطاء على حد سواء00 ولهذه الزيادة في المرونة نتائج أخرى سيكولوجية يتناساها رجال الفلسفة العقلية00 والإنسان أيضًا فريد في بعضها0 فقد أدت هذه المرونة مثلًا إلى كون الإنسان هو الكائن الحى الوحيد، الذى لابد له أن يتعرض للصراع النفسى00 ومع ذلك فطبقًا للآراء الحديثة توجد في (( الإنسان ) )أجهزة لتقليل النزاع إلى أقصى حد، وهى التى يعرفها علماء النفس بالكبت والقمع0
(( وهذه الخواص التى امتاز بها الإنسان، والتى يمكن تسميتها (( نفسية ) )أكثر منها (( بيولوجية ) )تنشأ من خاصية أو أكثر من الخواص الثلاث الآتية:
(( الأولى ) )قدرته على التفكير الخاص والعام0
(( الثانية ) )التوحيد النسبى لعملياته العقلية، بعكس انقسام العقل والسلوك عند الحيوان0
(( الثالثة ) )وجود الوحدات الاجتماعية مثل القبيلة والأمة والحزب والجماعة الدينية، وتمسك كل منها بتقاليدها وثقافتها0
(( وهناك نتائج ثانوية كثيرة لتطور العقل من مرحلة ما قبل الإنسان إلى مرحلة الإنسان( ) 0 وهى بلا شك فريدة من الناحية البيولوجية0 ولنذكر منها العلوم الرياضية البحتة والمواهب الموسيقية، والتقدير والإبداع الفنيين، والدين، والحب المثالى00
(( ولكن لا يكفى هنا أن نحصى يعض أوجه النشاط00 ففى الحقيقة أن معظم أوجه النشاط الإنسانى وخواصه، نتائج ثانوية لخواصه الأصلية0 وكذلك فهى فذة من الناحية البيولوجية00 وقد يكون لتفرد الإنسان نتائج ثانوية أخرى لم تستغل بعد00
(( وبذلك يكون الإنسان فريدًا في أحواله أكثر مما نظن الآن ) ) ( )
كذلك يقول العالم الأمريكى: (( أ0 كريسى موريسون ) )فى كتابه: Man (( does not sand alone ) )الذى ترجمه إلى العربية الأستاذ محمود صالح الفلكى بعنوان (( العلم يدعو إلى الإيمان ) ):
(( إن القائلين بنظرية التطور(النشوء والارتفاء) لم يكونوا يعلمون شيئًا عن وحدات الوراثة (الجينات) 00 (ص 145) 0
(( لقد رأينا أن (( الجينات ) )متفق على كونها تنظيمات أصغر من الميكروسكوبية للذرات في خلايا الوراثة بجميع الكائنات الحية0 وهى تحفظ التصميم، وسجل السلف، والخواص التى لكل شئ حى0 وهى تتحكم تفصيلًا في الجذر والجذع والورق والزهر والثمر لكل نبات، تماما كما تقرر الشكل والقشر والشعر والأجنحة لكل حيوان بما فيه الإنسان )) (ص 147) 0
000 (( ويلاحظ أن جميع الكائنات الحية، منفصل بعضها عن بعض بهوات كثيفة لا يمكن عبورها0 حتى إن الحيوانات المتقاربة ينفصل بعضها عن بعض كذلك ) )0
(( والإنسان حيوان من رتبة الطليعة، وتكوينه يشبه فصائل (( السيميا ) ) (الأورانجتان والغوريلا والشمبانزى) ولكن هذا الشبه الهيكلى ليس بالضرورة برهانًا على أننا من نسل أسلاف سينمائية (من القرود) أو أن تلك القرود هى ذرية منحطة للإنسان0 ولا يمكن أحد أن يزعم أن سمك القد (( Cod قد تطور من سمك الحساس (( Hoddock وإن يكن كلاهما يسكن المياه نفسها، ويأكل الطعام نفسه، ولهما عظام تكاد تكون متشابهة000(ص 142) 0
إن ارتقاء الإنسان الحيوانى إلى درجة كائن مفكر شاعر بوجوده هو خطوة أعظم من أن تتم عن طريق التطور المادى، ودون قصد ابتداعى0
(( وإذا قبلت واقعية القصد، فإن الإنسان بوصفه هذا قد يكون جهازًا0 ولكن ما الذى يدير هذا الجهاز؟ لأنه بدون أن يدار، لا فائدة منه0 والعلم لا يعلل من يتولى إدارته0 وكذلك لا يزعم أنه مادى0
(( لقد بلغنا من التقدم درجة تكفى لأن نوقن بأن الله قد منح الإنسان قبسًا من نور، ولا يزال الإنسان في طور طفولته من وجهة الخلق، وقد بدأ يشعر بوجود ما يسميه بـ (( الروح ) )وهو يرقى في بطء ليدرك هذه الهبة، ويشعر بغريزته أنها خالدة0
(( وإذا صح هذا التعليل- ويبدو أن المنطق الذى يسنده لا يمكن دحضه- فإن هذه الكرة الأرضية الصغيرة التى لنا، وربما غيرها كذلك، تكسب أهمية لم يحلم بها أحد من قبل0 فعلى قدر ما نعلم قد تولد عن عالمنا الصغير هذا، أول جهاز مادى أضيف إليه قبس من نور الله0 وهذا يرفع الإنسان من مرتبة الغريزة الحيوانية إلى درجة القدرة على التفكير، التى يمكن بها الآن أن يدرك عظمة الكون في اشتباكاته، ويشعر شعورًا غامضًا بعظمة الله ماثلة في خلقه(ص 187- 188) 0
(( إن أية ذرة أو جزئية (( Atom. Molecule لم يكن لها فكرة قط، وأى اتحاد للعناصر لم يتولد عنه رأى أبدًا وأى قانون طبيعى لم يستطع بناء كاتدرائية0 ولكن كائنات حية معينة قد خلقت تبعًا لحوافز معينة للحياة، وهذه الكائنات تنتظم شيئًا تطيعه جزئيات المادة بدورها0 ونتيجة هذا وذاك كل ما نراه من عجائب العالم0 فما هو هذا الكائن الحى؟ هل هو عبارة عن ذرات وجزئيات؟ أجل0 وماذا أيضًا؟ شئ غير ملموس، أعلى كثيرًا من المادة لدرجة أنه يسيطر على كل شئ0 ومختلف جدًا عن كل ما هو مادى مما صنع منه العالم، لدرجة أنه لا يمكن رؤيته ولا وزنه ولا قياسه0 وهو- فيما نعلم- ليست له قوانين تحكمه0 إن (( روح الإنسان هى سيدة مصيره ) )ولكنها تشعر بصلتها بالمصدر الأعلى لوجودها0 وقد أوجدت للإنسان قانونًا للأخلاق لا يملكه أى حيوان آخر، ولا يحتاج إليه0 فإذا سمى أحد ذلك الكيان بأنه فضلة لتكوينات المادة، لا لشئ سوى أنه لا يعرف كنهه بأنبوبة الاختبار، فهو إنما يزعم زعمًا لا يقوم عليه برهان00 إنه شئ موجود، يظهر نفسه بأعماله، وبتضحياته، وبسيطرته على المادة،وبالأخص على رفع الإنسان المادى من ضعف البشر وخطئهم إلى الإنسجام مع إرادة الله00 هذه هى خلاصة القصد الربانى0 وفيها تفسير للاشتياق الكامن في نفس الإنسان، للاتصال بأشياء أعلى من نفسه0 وفيها كشف عن أساس حافزه الدينى00 هذه هو الدين )) 00 (ص 201- 202) 0
وتفرد الإنسان في هذا الكون بطبيعته وتركيبه، وفى وظيفته وغاية وجوده، وفى مآله ومصيره، هو الذى يقرره التصور الإسلامى عن الإنسان في نصوصه الكثيرة، فكلها تقرر أن هذا الإنسان، خلق خلقة فذة خاصة مقصودة، وعينت له وظيفة، وجعلت لوجوده غاية، وأنه كذلك مبتلى بالحياة مختبر فيها، محاسب في النهاية على سلوكه فيها، هذا السلوك الذى يقرر جزاءه ومصيره000
نجد هذا في قصة آدم:
(( وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الأرض خليفة00 الآية ) ) (البقرة: 30)
(( إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من طين0 فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين ) )000 (ص: 71-72)
(( ولقد كرمنا بنى آدم، وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا ) )000 (الإسراء: 70)
(( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) )000 (التين: 4)
ونجده في ظروف شتى:
(( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) )000 (الذرايات: 56)
(( الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أحسن عملًا ) )000 ... (الملك: 2)
(( فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى0 ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكًا، ونحشره يوم القيامة أعمى ) )000 (طه: 123-124)