والإنسان كائن معقد شديد التعقيد0 سواء في تركيبه العضوى، أو تركيبه العقلى والروحى، كما هو معقد في أوجه نشاطه المختلفة، التى لا يعرف أحد حتى اليوم طبيعتها، ولا حقيقة الارتباطات بينها، إذ كل ما أمكن هو ملاحظة ظواهرها وسطوحها0
وهذا التعقيد لا يبدو في كيان الإنسان ككل فحسب، بل إنه ليتجلى كذلك في كل خلية حية من خلاياه التى لا تحصى00
وإلى هذه اللحظة لم يكشف أحد سر تكوين الخلية00 وحتى لو تسنى كشف عناصر تكوينها المادى، فإن عنصر الحياة الذى فيها مجهول الكنه والكيفية0 ويبدو كأنه سيظل كذلك0 وليست هذه سوى الخطوة الأولى في الطريق الطويل لمعرفة أسرار الخلية الحية00 إن هذه الخلية تتصرف كما لو كانت كائنًا عاقلًا رشيدًا يدرك تمامًا وظيفته المقبلة، كما يدرك دوره مع بقية الخلايا، ويمضى في طريقه مهتديًا لا يضل أبدًا، لأداء دوره هذا، في دقة وإصابة لا يتمتع بهما العقل البشرى ذاته !0
وعن هذه الأسرار، وأسرار الارتباطات بين مركبات الكائن البشرى ووظائفه وأوجه نشاطه المختلفة يقول الدكتور (( ألكسيس كاريل) ما سبق أن صدرنا به الفصل الأول. وما نعيد هنا فقرات منه لضرورة وضعها تحت العين في هذه اللحظة:
(( وواقع الأمر أن جهلنا مطبق. فأغلب الأسئلة التى يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشرى تظل بلا جواب، لأن هناك مناطق غير محددة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة.. فنحن لا نعرف الآن الإجابة عن أسئلة كثيرة مثل:
(( كيف تتحد جزئيات المواد الكيماوية لكى تكون المركب والأعضاء المؤقتة للخلية؟
(( كيف تقرر الجينس(ناقلات الوراثة) الموجود في نواة البويضة الملقحة صفات الفرد المشتقة من هذه البويضة؟
(( كيف تنتظم الخلايا في جماعات من تلقاء نفسها، مثل الأنسجة والأعضاء؟ فهى كالنمل والنحل تعرف مقدمًا الدور الذى قدر لها أن تلعبه في حياة المجموع. وتساعدها العمليات الميكانيكية الخفية على بناء جسم بسيط معقد في الوقت ذاته0
(( ما هى طبيعة تكويننا النفسانى والفسيولوجي؟ إننا نعرف أننا مركب من الأنسجة والأعضاء والسوائل والشعور.. ولكن العلاقات بين الشعور والمخ ما زالت لغزًا 0
(( إننا ما زلنا بحاجة إلى معلومات كاملة تقريبًا عن فسيولوجية الخلايا العصبية .. إلى أى مدى تؤثر الإرادة في الجسم؟ كيف يتأثر العقل بحالة الأعضاء؟ على أى وجه تستطيع الخصائص العضوية والعقلية، التى يرثها كل فرد أن تتغير بواسطة الحياة والمواد الكيماوية الموجودة في الطعام والمناخ والنظم النفسية والأدبية؟ ………إلخ؟
وهذا التعقيد في تركيب الكائن الإنسانى، وفى وظائفه وأوجه نشاطه، هو الذى يتسق مع ضخامة وتشعب وظيفته الأساسية في خلافة هذه الأرش، كما أنه هو الذى يتسق مع طبيعة نشأته التى حدثنا الله عنها:
(( إذ قال ربك للملائكة: إنى خالق بشرًا من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين ) )00 ... (ص: 71-72)
فالكينونة التى تنبثق ابتداء من الطين والنفخة من روح الله - على ما بينهما من آماد وآفاق لا تحد -0 هى التى يتوقع فيها مثل هذا التعقيد الشديد، الذى يستعصى على العقل البشرى، لأنه فوقه وأكبر منه. على حين أنه يسير يسير على الله سبحانه:
(( هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض، وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ) )000 ( النجم: 32)
(( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ ) )
(( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) )00 ( ق: 16)
والإنسان - بعد هذا وذاك - كائن يؤلف كل فرد فيه بذاته عالمًا فذا مفردًا لا مثيل له في سائر أفراده . على كل ما يجمع أفراد الجنس كله من الخصائص (( الإنسانية ) )المشتركة.. وهذا مما يزيد الأمر تعقيدًا ، ويزيد دراسة (( الإنسان ) )صعوبة، بل تعذرًا، دون المعرفة الكاملة بالسمات المميزة لكل فرد على حدة - في فرديته المتميزة - على فرض أنه أمكن الوصول - في ملايين السنين - إلى معرفة كل التركيب العضوى والنفسى العام للجنس البشرى 00
وفى هذه الفردية يقول دكتور . كاريل:
_ (( إن الفردية جوهرية في الإنسان. إنها ليست مجرد جانب معين من الجسم، إذ أنها تنفذ إلى كياننا.. وهى تجعل (( اللذات ) )حدثًا فريدًا في تاريخ العالم.. إنها تطبع الجسم والشعور. كما تطبع كل مركب في الكل بطابعها الخاص وإن ظلت غير منظورة )) 000 (ص 281) 0
(( يميز الأفراد كل منهم عن الآخر بسهولة بواسطة تقاطيع وجوههم وإشارتهم وطريقتهم في المشى، وصفاتهم العقلية والأدبية الخاصة. ومع أن الزمن يحدث تغييرات كثيرة في مظهر الأفراد، إلا أنه يمكن دائمًا معرفة كل فرد - كما أثبت برتلون منذ أمد بعيد - بواسطة أبعاد أجزاء معينة من هيكله.. وكذلك فإن خطوط أطراف الأصابع مميزات قاطعة للفرد . ومن ثم فإن بصمات الأصابع هى التوقيع الحقيقى للإنسان ) ).. (ص: 282) 0
(( وعلى كل حال فإن تكوين الجلد جانب واحد فقط من فردية الأنسجة ) )وقد تظهر فردية الأنسجة نفسها بالطريقة التالية:
(( طعم سطح جرح بقطع من الجلد، أخذ بعضها من المريض نفسه، والبعض الآخر من صديق أو قريب. فلوحظ بعد أيام قليلة أن الجلد الذى أخذ من المريض نفسه قد تماسك مع الجرح، وبدأ ينمو، في حين أن الجلد الذى أخذ من الأشخاص الآخرين أخذ في التراخى والانكماش. وسرعان ما عاش الأول ومات الثانى ) )000 (ص:283)
(( إن القاعدة أن أنسجة أى شخص ترفض قبول أنسجة شخص آخر.. وحينما تخبط الأوعية، ويمر الدم ثانية في كلية مطعمة، فإن هذا العضو يفرز البول مباشرة، ويكون تصرفه طبيعيًا في بادئ الأمر. إلا أنه لا تكاد تمضى أسابيع قليلة حتى يظهر الزلال أولًا، ثم الدم في البول، وسرعان ما تصاب الكلية بمرض أشبه بالالتهاب يؤدى إلى ضمور الكلية سريعًا.. ومع ذلك لو أن العضو المطعم أخذ من الحيوان نفسه لعاد إلى تأدية وظيفته بصفة دائمة. إذ من الواضح أن الأخلاط تكتشف في الأنسجة الغريبة، اختلافات تركيبية معينة، لا يمكن اكتشافها بأى اختبار آخر. إن الخلايا محددة بالنسبة للأشخاص الذين تتبعهم. ولقد حالت هذه الخاصية حتى الآن دون التوسع في استعمال تطعيم أو ترقيع الأعضاء لأغراض علاجية ) )000 (ص 283)
(( فمن المحتمل أنه لم يوجد فردان بين ملايين الملايين من البشر الذين استوطنوا هذه الأرض، كان تركيبهم الكيماوى متماثلًا. وترتبط شخصية الأنسجة التى تدخل في تركيب الخلايا والأخلاط بطريقة ما زالت غير معروفة حتى الآن. ومن ثم فإن فرديتنا تتأصل جذورها في أعماق ذاتنا0
(( وتطبع الفردية جميع أجزاء الجسم المركبة. فهى موجودة في العمليات الفسيولوجية. كما هى موجودة في التركيب الكيماوى للأخلاط والخلايا. ولهذا فإن كل شخص يتفاعل بطريقته الخاصة مع أحداث العالم الخارجى .. مع الضوضاء والخطر والطعام والبرد، وهجمات الميكروبات والفيروسات ) )000 (ص 286)
(( تمتزج الفرديات العقلية والتركيبة والأخلاطية بطريقة غير معروفة . وتحمل كل منها للأخرى العلاقات نفسها التى تحملها وجوه النشاط الفسيولوجى، والعمليات المخية والوظائف العضوية.. إنها تهبنا وحدانيتنا وتجعل كل إنسان أن يكون نفسه، وليس شخصًا آخر ) )00 (ص 287)
(( كل فرد يدرك أنه فريد .. وهذه الوحدانية حقيقية ) ).. (ص 289)