فهرس الكتاب

الصفحة 467 من 2255

الصنف الثالث: مَن لهم صلة بعلوم الإسلام، ولكنهم ليسوا فقهاء في أحكامه، وإنما عندهم إلمام ببعض الدراسات الإسلامية، وتخصصاتهم في الأصل ليست في مجال الشريعة الإسلامية ولكن عواطفهم الإسلامية جياشة وحبهم للدين شديد، وهم يدعون إلى الله حسب الفرص المتاحة لهم بالمحاضرات واللقاءات وتأليف الكتب والكتابة في بعض الجرائد أو المجلات، والتدريس في المعاهد والجامعات.

وعلى أمثال هؤلاء وكتاباتهم تتلمذ كثير من الشباب، وقد يتناولون بالدراسة بعض آيات القرآن وتفسيرها، وبعض الأحاديث النبوية وشرحها، ولكنها دراسة شخصية قد يكثر فيها الخطأ ويقل الصواب، وبخاصة التشبث بالآراء الغالية، وقد تأخذ بألبابهم بعض الجزئيات من دين الإسلام، فيهتمون بها أكثر من غيرها، ويتركون جزئيات أخرى هي أهم مما عُنُوا به، فيقدمون بذلك المهم على الأهم والفرع على الأصل، فاهتمت بعض الطوائف ببعض جوانب العقيدة، واهتمت أخرى بجانب السياسة والحكم، واهتمت ثالثة بالجهاد العسكري، واهتمت رابعة بتنفيذ الأحكام وبخاصة الحدود، وقد يقترب بعضها من الشمول، وقد يبتعد بعضها الآخر.

والذي يعنينا في هذا المقام أن بعض الجماعات نظرت إلى الأحكام الشرعية فوجدتها معطلة، ونظرت إلى المجتمعات في الشعوب الإسلامية فوجدتها قد غرقت في الفواحش والمنكرات، فأخذوا على أنفسهم بالتمسك بمبادئ الإسلام، بحسب ما فهموا منها، ومن ذلك إقامة الحدود على أعضائهم، إذا ما ارتكبوا ما يوجب حدا.

وهم ليسوا متعمقين في فقه الحدود وشروطها ومسقطاتها من جهة، وغير عالمين بعواقب ذلك في بلدان يتولى الحكم فيها من يعادي حدود الله، ويحارب من يدعو إلى إقامتها نظريًا، فكيف يكون موقفهم ممن يقوم بتنفيذها فعلًا؟

وانتشرت هذه الفكرة حتى وجدنا بعض الجماعات في بلاد الكفار تحاول إقامة الحدود على أعضائها، وجرت بيننا وبينهم حوارات في هذا الموضوع، وحاولنا إقناعهم بأن إقامة الحدود من حق ولاة الأمور الذين لهم سلطان وقوة، وليست لكل جماعة أو حزب، وأن القدرة ليس المقصود بها مجرد استطاعة فرد من الناس أو الجماعة تنفيذ الحكم، وإنما يتبع ذلك أن يكون ولي الأمر ذا قوة وسلطان تهابه رعيته، وإذا خرج عليه أحد منهم استطاع تأديبه ورده إلى طاعته بقوته ومنعته.

ولكن القوم ازدادوا إصرارً على موقفهم، وتمسكًا برأيهم، على الرغم من اجتماعنا بهم مرة أخرى، كان بينها وبين المرة الأولى ما يقرب من عشرة سنوات، وقد حفزني هذا على البحث والتنقيب في نصوص القرآن والسنة، وتفسير آيات أحكام القرآن وشروح الحديث وكتب الفقه، وكتب السياسة الشرعية، وجمع النصوص المتفرقة في هذا الباب لأصل منها إلى نتيجة، فكانت بسبب ذلك هذه الرسالة التي أرجو أن ينفع الله بها الأمة الإسلامية، وبخاصة الشباب في الجماعات الإسلامية، الذين يتلهفون لمعرفة حكم الله للعمل به إرضاءًا لربهم، ونصرًا لدينهم، وقد بذلت جهدي في عرض آراء العلماء وأدلتهم ومناقشتها، والوصول إلى القول الفصل عندي في النهاية، فإن كنت قد وفقت فما توفيقي إلا بالله، وإن كنت قد أخطأت فأرجو من الله أن يغفر لي خطئي ويثيبني على اجتهادي.

والله من وراء قصدي، وهو حسبي ونعم الوكيل.

أحلام مارتن لوثر كنج

الدكتور رياض بن محمد المسيميري

الحمد لله وبعد،

مارتن لوثر كنج ( أمريكي أسود) ، يعرفه الراصدون لسياسات التمييز العنصري التي كانت سائدة - ولا تزال إلى حد كبير - في الولايات المتحدة الأمريكية، وعموم دول العالم الغربي

نشأ مارتن في أحد الأحياء الفقيرة في مدينة ( أتلانتا) بولاية (جورجيا) الأمريكية عام 1929م، وفيها ذاق مرارة التمييز والاضطهاد العنصريين بأبشع صوره على يد الرجل الأبيض ( المتحضر!!) والتي لم تكن إلا واحدة من السوءات المخزية لدولة ( الحرية والعدالة والديمقراطية ! )

فعلى سبيل المثال كان مشهد حافلات نقل الركاب المفصولة قسمين: قسم المتحضرين، وآخر للسود البائسين ، كان هذا المشهد وأمثاله يملأ قلبه حنقًا وبغضًا لتلك الممارسات (الحضارية!) التي صنعها سماسرة الحرية والعدالة الاجتماعية !!

وضع هذا الأمريكي المقهور آمالًا عراضًا، وطموحات جريئة تعيد لبني جنسه السود شيئًا من الكرامة السلبية، والعدالة المفقودة

وبالطبع كان لا بد أن يلتف حوله الأنصار والأتباع ، ويجد المقهورون في دعوته بصيص أمل يخلصهم من واقعهم الكئيب

لذا أخذ أتباعه بالازدياد يومًا بعد يوم، حتى اكتظت بهم الساحات العامة، والشوارع الشهيرة في نيويورك وواشنطن دي سي وغيرها.

وفي مجمع جماهيري ضخم، ومسيرة طويلة حاشدة بلغ قوامها ربع مليون إنسان، أطلق (مارتن لوثر كنج) عبارته الشهيرة"إنَّ لديّ حلمًا"Ihave D صلى الله عليه وسلم eam"فالحلم الذي كان يداعب خياله، هو إعادة شيء من الاعتبار للجنس الأسود، وضمان الحقوق المدنية لسكان الولايات المتحدة على حد سواء، وتحجيم حيز الكراهة المتبادلة بين الجنسين المتناقضين، الأسود والأبيض ، كيما يعيش الجميع في جو معقول ومقبول من الاحترام الإنساني المتبادل"

وبالرغم من أن صاحب هذه الأحلام الوردية قد ظل متمسكًا بالنضال السلمي ، نابذًا للعنف بكل صوره، مؤكدًا في جُلّ خطبه بأهمية ضبط النفس، وكبت الاستفزاز لدى أنصاره المتحمسين، إلا أن ما كان يواجهه من سخرية وهجوم لاذعين -على المستوى الرسمي والشعبي- كان كفيلًا أن يدفعه إلى الانتحار مرتين على الأقل!

كما تعرض لأكثر من محاولة قتل نجا منها بأعجوبة، لكنه لم ينج من السجن الذي وجده ( أنصار العدالة وحماية الحرية !!) وسيلة لا بأس بها تريحهم من أوجاع الرأس التي أثارها هذا الأسود البغيض

وحين خرج من السجن لم يتردد رجال الشرطة، أن يتصدوا لمسيراته السلمية، فيوسعونه وأتباعه ضربًا بالهروات والعصي على مرأى من شاشات التلفزة العالمية، التي ربما التقطت -أحيانًا - صورًا حية لتلك المشاهد المتحضرة!!.

وكان من المتوقع - بالطبع- أن يوضع حد لتمرد ذلك (المارتن لوثر كنج) إذ نجح المتآمرون هذه المرة في صنع نهاية دموية -كالعادة- حطمت كل ما بناه من إنجازات ورقية، ووعود خرافية فانطلقت رصاصة ( ايرل راي) الوحيد، لكنها القاتلة -تستقر في الجانب الأعلى من فكه وعنقه، بعد أن ألحقت ضررًا بالغًا بالحبل الشوكي للقتيل.

لقد ذهبت أحلام (مارتن) في مهب الريح، وتحققت بعض التغييرات الهامشية عقب الحادثة لكنَّ أحدًا لا يستطيع أن يزعم أن حجم الكراهية بين الجنسين المتناقضين (الأبيض والأسود) قد تقلص شيئًا ما، بل الحقيقة المؤكدة أن الكراهة آخذة في ازدياد كل يوم، ذلك أن ركام الحقد والبغضاء الذي صنعه المفتونون بسحنتهم البيضاء، وأن سنوات الاضطهاد والسحل والقهر التي مورست بأبشع صورها لا يمكن أن تُمحى من ذاكرة الأجيال والأحفاد حتى لو عُيّن أحدهم وزيرًا للخارجية أو حتى رئيسًا، وما أبعده.

إن ما يهمنا في هذه السطور ليس إحياء ذكرى مارتن النصراني الأسود، لكننا نسوقها لنتعظ ونعظ معاشر المخدوعين بزيف وبريق الحضارة الغربية، أن الفشل الذريع الذي منيت به أحلام المذكور هي نتيجة طبعية لا تدعو للاستغراب أبدًا، ذلك أن البيئة التي حلقت في أجوائها تلك الأحلام بيئة وثنية ماجنة ومسيح الهدى -عليه السلام- منها بريء، إنها بيئة أنانية فجة، قائمة على قيم فارغة من الأخلاق، عارية من المبادئ المُشرَّفة ، أو نصف المشرًّفة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت